دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٣٢ - مسألة الضدّ ونـظـريّـةُ الـتـرتّب
لا يستلزمُ رفْع الحكمِ الفعليّ عن المهمّ ، وإنما يقتضي ـ عقلاً ـ رفْعَ التـنجيزِ عن المهم ، لا أكثر ، ولا داعي لأنْ يَرْفَعَ الفعليّةَ أيضاً ، بل لا وجه عقليّ لِرَفْعِ الفعليّةِ .
وعليه فلو بَنَى على معصيةِ الأمرِ بالأهمّ ولم يُرِدْ تـنفيذَه ، فلا وجه عقليَّ لأنْ يَترُكَ الصلاةَ أيضاً ، وإنما تَـفْعَلُ فِعْليّةُ الأمْرِ بالصلاة فِعْلَها ، فيَحكُمُ العقلُ برجوع التـنجيزِ للأمر بالصلاة ، وذلك لعدم وجود مانع عقلي من تـنجيز وجوبِ الصلاة حينـئذ . وبتعبـيرٍ أوضح : لو فرضنا أنه يريد الإشتغالَ بالإنقاذ لكان الإشتغالُ بالإنقاذ مانعاً من تـنجيز الوجوبِ الفعلي للصلاة ، فحينما لا يريد الإشتغالَ بالإنقاذ يَرجِعُ التـنجيزُ إلى الوجوب الفعلي للصلاة عقلاً ، لأنّ التـنجيزَ أمْرٌ عقليّ ، أي يحكم العقلُ به ، لا أمر شرعيّ ، ولذلك لو تَرَك الأهمَّ ـ كالإنـقاذ ـ وصلّى ، فلا شكّ في صحّة صلاته ، وذلك لحكم العقل بـبقاء فعليّة وجوب الصلاة وتمسّكاً بإطلاق [ اَقيموا الصلاةَ ] لإثبات بقاء فعليّة الحكم بوجوب الصلاة بل تمسّكاً بتـنجيز وجوب الصلاة أيضاً ـ رغم استحقاق العقاب على ترك الأهمّ ـ ، ولذلك نقول إنه لا وجه لتحريم الصلاة أو فسادها عند التصميم على ترك الأهمّ . فأنت تعلم أنه إذا كانت شروط الوجوب متحقّقة في الصلاة ـ وهي البلوغ والعقل والزوال[٢٨٠] ـ فلا شكّ ح في وجوبها الفعلي ، وإنما الذي يرتـفع ـ بسبب الأهمّ ـ هو خصوصُ تـنجيز حكم الصلاة ، وهذا ما يسمّونه بـ (نـظـريّـة الـتـرتُّـب) أي يترتّب على عدم إرادة الإنقاذِ حُكْمُ العقلِ برجوعِ التـنجيز إلى الأمر بالصلاة ، أي يحكم العقل بأنه إن لم تـفعلِ الأهمّ فافعلِ المهمَّ ولا تـتركْه كي لا تـقع في مبغوضَين ، ومن هنا تَعرِفُ أنّ نظريّة الترتّب تعتمد على ح ُ كْمِ العقل .
فإن سألتَ : هل أنه بمجرّد البناء على عدم الإنـقاذ يرتـفع الوجوبُ التـنجيزي للإنـقاذ ؟ وعلى فرض ارتـفاع التـنجيز عن وجوب الإنقاذ بسبب العصيان ، كيف يمكن اجتماع حُكمين فِعْليـين متزاحمَين في وقت واحد ؟! وبتعبـير آخر : ما الوجه في بقاء فِعْليّة وجوب الصلاة مع بقاء فِعْلية وجوب الإنقاذ ، أليس بقاء فعليّة الأمْرِ بالصلاة في حال فعليّة الإنـقاذ يوقعنا في التعارض ؟!
نقول : إعلمْ أنه إذا بَنَى المكلّفُ على عدم الإنقاذ ، فلا معنى عقلاً لبقاء تـنجيز الحكم بالإنقاذ ، لأنّ التـنجيز هو حكم عقليّ محض ـ وليس حكماً شرعياً ـ وبقاؤه ـ مع التصميم على المعصية ـ لغْوٌ محض ،
[٢٨٠] لا تَدْخُلُ القدرةُ في المقدّمات الوجوبـية في أكثر الواجبات ، وذلك لمحبوبـية أكثر الواجبات مطلقاً حتى ولو كان الإنسان عاجزاً عنها ، كما في الإنـقاذ وقـتـْلِ المشركين ، نعم القدرةُ شرطٌ عقليّ في تـنجيز كلّ الواجبات ، وليست شرطاً في الفعليّة ، وإلاّ ـ لو كانت شرطاً فِعْلياً أي شرعياً ـ لوَجَبَ ذِكْرُها في مقدّمات الوجوب ، كما هو الحال في الصيام والحجّ .