دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٣٠ - مسألة الضدّ ونـظـريّـةُ الـتـرتّب
مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البـيع ] [٢٧٦]، ولكنْ تحريمُ البـيع عند النداء لصلاة الجمعة ليس تحريماً للبـيع من باب مبغوضيّة نـتيجة المعاملة ـ كما كان الحال في المعاملة الربويّة وفي بـيع الخمر المبغوضَين ذاتاً لِبُغْضِ نـتيجتهما ـ وإنما هو تحريم تزاحمي فقط ، أي لأجل وجوب تـقديم الأهمّ ـ وهي الصلاة ـ على البـيع فقط ، ولذلك إذا باع عند النداء لصلاة الجمعة فقد أجمع العلماءُ على صحّة البـيع ، وتمسّكوا لذلك بأكثر من دليل من قبـيل [ اَوفوا بالعقود ] و [ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بـينَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ [٢٧٧] ولا وجه لبطلان البـيع . نعم ، يقع البائع في الحرمة التكليفيّة بلا شكّ ، لا أنّ بـيعه يكون باطلاً والثمنُ سحتاً . وكذا الأمْرُ في الصلاة ـ التي هي ضدّ خاصّ للإنـقاذ ـ فلو تَرَكَ المكلّفُ الإنـقاذَ وصَـلّى فإنّ صلاته لا يكون منهيّاً عنها بالذات ، بل لا وجه للنهي الذاتي عن الصلاة كما هو النهي عن الظُلْمِ مثلاً ، وإنما لو فرضنا النهيَ عنها ـ وليس منهياً عنها في الواقع كما سيأتي ـ فهو نهي تزاحمي ، أي نـهْيٌ غَيري ، هذا لو فرضنا النهيَ التـزاحمي أيضاً ، لا ، بل لو ترك الإنـقاذَ وصلّى لكانت صلاته صحيحةً بلا شكّ ، وذلك لعدم النهي عنها ، لا ذاتاً ولا غيرياً ، وإنما يوجد أمْرٌ بالأهمّ لا أكثر .
أمّا أنْ يقول شخصٌ بأنّ "ترْك الصلاةِ واجبٌ مقدّمةً للإنـقاذ ، إذن فالصلاةُ منهيٌّ عنها" ، فهذا اشتباه واضح ، فإنّ ترْك الصلاةِ ـ مع فرض عدم إرادة الإنـقاذ ـ لا يكون مقدّمة للإنـقاذ ، ولا يصحّ أن يكون مانعاً أو جزءَ العلّة للإنـقاذ ، فقد يَتركُ الإنـقاذَ ويَترك الصلاةَ أيضاً ويذهبُ ويلعب أو ينام ! إذن ترْكُ الصلاةِ ليس مقدّمة للإنـقاذ . على أنّ التركَ أمْرٌ عدميّ فلا يمكن أن يكون مقدّمةً للإنـقاذ التي يجب أن تكون ـ أي المقدّمة ـ أمْراً وجودياً ، فإنّ العدم هو لا شيء ، فكيف يكون مقدّمة أو جزءً للعلّة ؟! نعم ، لو أراد أن يُنقِذَ ، فجاءه مانعٌ ، فلَمْ يَستطِـعْ على الإنـقاذ ، فهذا المانع هو أمر وجودي .
وبتعبـير آخر : مع عدم وجود المقتضي للإنـقاذ ـ أي إرادة الإنقاذ ـ لا يصحّ أن يقال كانت الصلاة مانعةً عن الإنـقاذ ، كما أنه مع عدم وجود النار لا يصحّ عقلاً أن يقال كان وجود الحديدة مانعاً عن احتراق الورقة .
[٢٧٦] الجمعة ـ ٩ .
[٢٧٧] النساء ـ ٢٩ .