دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧٠ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
هذا الحكمَ مؤقّتاً ولأسباب اضطراريّة وبلحاظ أفراد مخصوصين وقليلة جدّاً ، ولذلك فهذا الحكم لم يكن تشريعاً عامّّاً كي يصحّ استصحابُه ، وإنما كان مخصوصاً بـبعض الأشخاص لمصلحة إلهيّة مؤقّّتة ، فقد أراد الله تعالى أن يدير اليهودُ اُذُنَ الإنـتباهِ إلى الجنبة الروحانيّة للإنسان أكثر ممّا ينظرون إلى الجنبة الماديّة ، أي مضادّةً بالذين كانوا قد أعطوا الدنيا كلَّ اهتمامِهم وتركوا الإهتمامَ بالآخرة ، فأحبّ اللهُ تعالى أن يوازن بين هذا وذاك ، وعلى فَرْضِ أنّ معنى (حصور) هو الذي لا يأتي النساءَ ولكن يجب أن يكون هذا الإمتـناع من الجماع باختياره ، ولا يصحّ أن يكون هذا الإمتـناع عن عَنَنٍ ، لأنّ العَننَ عَيب لا يجوز على الأنبـياء ، وخاصّةً أنّ قوله تعالى [حصوراً] خَرَجَ مخرج المدح ، والعَنن عيبٌ ، لذلك يجب أن نقول بأنه (ع) كان يميت شهوتَه بكثرة الصوم . المهم هو أنه كان حَصُوراً ، ويجب أن يحمل هذا اللفظ الذي هو من صيغ المبالغة على حَبْسِ النفسِ عن الملاهي والشهوات ، ولعلّ من جملتها مقاربةَ النساء أيضاً ، وروي "أنّه مرّ في صباه بصبـيانٍ فدعَوه إلى اللعب ، فقال : ما للَّعبِ خُلِقْتُ" . المهم هو أنه لأجل ما ذكرنا من اتّهامات اليهود لأنبـيائهم كانت شرعيّةُ عدمِ النكاح ـ لو فرضنا ذلك ـ وكان رجحانُه ومدْحُه مختصّاً بزمان نبي الله يحيى (ع) فقط ، وبلحاظ أفراد محدودين جدّاً ، إذ لم يُعْهَدْ رجحانُ (عدمِ الزواج) بنحو نوعي في شريعة إلهية ، فلا يكون هذا الحكم منافياً لما في شرائع الله فضلاً عن شريعة الإسلام والتي صرّح بها رسول الله (ص) النكاح سُنـَّتي ، فمَن رغب عن سُنـَّتي فليس مني ، ويُحتمَلُ أن يكون الله تعالى قد مدح يحيى بكونه حصوراً لكونه سيكون نبـيّاً سائحاً في البلاد ، وهذا يمنعه من أن يعطيَ الزوجةَ والعيالَ حقوقَهم ، فدفع المانعَ ، ليتـفرّغ لتبليغ رسالة نبيّ الله عيسى (ع) . وبهذا الصدد قال صاحب الجواهر : "ولعل الأولى في الجواب أن يقال : المراد بالحصور ما عن كثير من المفسرين من أنه المبالِـغ في حبس النفس عن الشهوات والملاهي ، من الحصر بمعنى الحبس ، وحينـئذ فمدْحُه (ع) هو لتـنكُّبِه عن الشهوات وإعراضه عن الملاهي واللذات كما هو المعهود من حاله على ما حكاه عنه العسكري (ع) قال : ما مِن عبدٍ لله إلا وقد أخطأ أو هَمَّ بخطيئة ما خلا يحيى بنَ زكريا (ع) ، فلم يُذنب ولم يَهِمَّ بذنب عكس المعهود من حال غيره الذي زُيِّنَ له حبُّ الشهواتِ من النساء والبنين والقناطير المقنطرة وغيرها من الملاذ والشهوات ، فلا دلالة في الآية على رجحان ترك التزوّج عندهم ، ضرورة أن حَصوريته بالمعنى المزبور لا تـنافي تزوُّجَه للنسل وغيره ، لا للشهوة واللذة ونحوهما . ولعله إلى هذا وما يقرب منه يرجع ما أجيب عنه أيضاً بأنّ مدْحه (ع) ليس على ترك التزوّج حتى يدل على مرجوحيته ، بل على انكسار الشهوة الطبـيعية له بغلبة الخوف واستيلاء الخشية وقهرها بالعبادات والرياضات ، ولا ريب في حسن ذلك ومدْحِه وإن أدَّى إلى ترك التزوّج المطلوب ، فإنّ تأدية شيء إلى