دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٩١ - مسألة الشكّ بين الأقلّ والأكثر
والجواب على هذا الكلام هو أنـنا لا نعلم بلزوم تحصيل الغرض الواقعي التامّ ، ولم يَثبت أنّ المولىّ أوجب علينا تحصيلَ تمام الغرض الواقعي ، فح نُجري البراءةَ عن احتمال وجوب تحصيل تمام الغرض الواقعي ، فنكتـفي ح بتحصيل ما عَلِمنا به وما تـنجّزَ علينا شرعاً من الغرض .
ولو أمكن التمسّكُ بالإطلاق المقامي ـ لا بالبراءة ـ لكان هو المتعيَّن ، لأنه لو كان القنوتُ ـ مثلاً ـ واجباً لورد في الروايات البـيانية ، ولو كان رمسُ الرأس بالماء من المفطّرات لورد في الروايات البـيانيةِ توضيحُ ذلك ، ولو كان ذهاب الحمرة المشرقية هو آخر وقت الصيام لَذَكَرَ أئمتـنا (ع) ذلك ... فسكوتُ المعصومين (علیهم السلام) عن تبـيـين ذلك بوضوح يعني أنه غير واجب ، وأنت تعلم أنه إن وُجِدَ دليلٌ محرِزٌ فلا يـبقَى محلٌّ للاُصول العمليّة .
نعم ، لو لم يوجَد دليلٌ شرعي لفظي نـتمسّكُ بإطلاقه لنكون بريئي الذمّة في معرفة عقد النكاح أو في معرفة كيفية إيقاع الطلاق ، فعلينا أن نأخذ بالقدر المتيقّن وهو اشتراط العربـية فيهما ، وذلك لعدم معلومية حصول عُلقة النكاح ولعدم معلومية حصول الإنفصال بغير العربـية ، فنرجع في هكذا حالة إلى أصالة الإشتغال اليقيني يستدعي الفراغَ اليقيني .
*البرهان الرابع : قاله المحقّق العراقي[٧١٥] وموردُه خصوصُ الواجباتِ التي يَحْرُمُ قطْعُها عند الشروع فيها كالصلاة ، وذلك بـبـيان أنّ المكلّف إذا كبّر تكبـيرةً ملحونةً مثلاً ، فحَصَل عنده شكٌّ في كفاية هذه التكبـيرة وعدم كفايتها ، فإنه سوف يتردّد ـ لا محالةَ ـ بين وجوب قطع الصلاة وإعادتها ـ وهو الأكثر ـ وبين حرمة قطعها وعدم إعادتها ـ وهو الأقلّ ـ ، فلو أجرى البراءةَ عن (احتمال وجوب قطعها ثم إعادتها) ليُثبِتَ ـ عملياً ـ وجوبَ البقاء على الصلاة وحرمةَ قطْعِها ، فإنه سوف يقول في نفسه : ولماذا لا اُجري البراءةَ أيضاً عن (احتمال حرمة قطعها فلا اُعيدها) فيجوز ح قطعها ويجب بعدئذٍ الإعادة ، والبراءةُ الأولى تـنـتِج حرمةَ قطع الصلاة ، والبراءةُ الثانيةُ تـنـتِجُ جوازَ قطعها ، وبالتالي تكون هاتان البراءتان متعارضتين ، فتـتساقطان ، فيحرم ح قطعُها ـ لعدم إمكان جريان البراءة عن حرمة القطع المحتملة ـ وتجب الإعادة ـ لعدم جريان البراءة عن وجوب الإعادة المحتمل ـ وبذلك يَثبُت الأكـثرُ عقلاً .
[٧١٥] نهاية الأفكار ج ٣ ص ٤١٨ .