دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٩ - تصنيف الأحكام الشرعية
وكذلك الأمر إن شككنا في حصول السبب أو الشرط لترتّب الحكم التكليفي ، فالأصل عدم حصوله ، كما لو شككنا في حصول دلوك الشمس ليترتّب وجوبُ الصلاة ، فالأصلُ عدم دخول الدلوك ، وكما لو فحصنا في مالنا فشككنا بعد الفحص في حصول شرط الحجّ وهو الإستطاعة ، فالأصلُ عدم حصولها ، وكما لو حصل الشكّ في طروء الحيض فالأصلُ عدمه ...
ممّا ذكرنا تعرفُ أنـنا لم نستصحب نفسَ القضايا الشرعيّة ـ موضوعيّة كانت أو تكليفية ـ إنما استصحبنا عدمَ الأسباب والشرائط والموانع ، في الأحكام الموضوعية والتكليفيّة . والسبب في عدم جريان الإستصحاب في القضايا الشرعيّة ـ موضوعيّةً كانت أو تكليفيّة ـ ما سوف تعرفه في بحث الإستصحاب من عدم جريان الإستصحاب في عالم الجعل ، لأنّ الجعلَ بـيدِ الله جلّ وعلا ، وليس بأيدينا ، أو قُلْ : نحن لا نستصحب عدم السبـبـية ـ في مرحلة الجعل ـ أو عدم الشرطيّة أو عدم المانعية .
وليس لنا إلاّ أن نُجري عدمَ حصول النوم وعدمَ حصول النجاسة ، أي نستصحب عدم حصول السبب ـ في الخارج ـ أو الشرط أو المانع ، لا أكثر ، وذلك لأنّ الإستصحاب هو قاعدة فقهيّة تـتعبّدنا بالبناء على عدم حصول موضوع الحكم الموضوعي أو التكليفي ، ولا يفيدنا استصحابَ الأحكام الشرعية في عالم الجعل ، لأنّ الأصل هو عدم الجعل الزائد .
(٥) واعلم أنّ كلّ الأحكام الشرعيّة ـ إلهيّة كانت أو إنسانـيّة ـ هي اعتبارات قانونـيّة ، لا وجود خارجيّ لها ، فالملكيّة والزوجيّة والحريّة والرقيّة والضمان والولاية والقضاوة والطهارة والنجاسة كلّها اُمور غير موجودة في الخارج ، ولكنها اعتبارات قانونـيّة موجودة في عِلْمِ الباري تعالى وفي الذهن البشري فقط ، ومن هذا القبـيل وضع إشارات السير ، فقد اعتبر المقنـنون اللونَ الأحمر للزوم الوقوف على الإشارة ، واللون الأصفر للتأهّب ، والأخضر للسير ، هذا المنع وهذا الجواز هي اعتبارات قانونية ، جعلها العقلاء لتـنظيم السير ، وهي اعتبارات تأسيسيّة ، أي ابتدائيّة ، غير مسبوقة الوجود ولو في ارتكاز الناس ، وذلك بخلاف البـيع ، فإنه ليس تأسيسيّاً ، وإنما هو موجود في ارتكاز البشر منذ وجودهم ، وإنما حقّقوه منذ أن اضطرّوا إلى البـيع والشراء .
(٦) واعلم أنّ الأحكام الشرعيّة شاملة لجميع وقائع الحياة ، قال الله تعالى [اليومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْوَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيوَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً][٣٧] ، وقد وردت نصوص متواترة في
[٣٧] المائدة ـ ٣ .