دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٦ - تصنيف الأحكام الشرعية
للضمان" هو محرّك للمتلِف بشكل غير مباشر ، بمعنى أنه ـ بالنـتيجة ـ يجب على المتلِف أن يَدْفَعَ بَدَلَ التالِف لصاحبه . أمّا قول المولى "إتلافُ مالِ الغَير حرام" فهو حكم تكليفي ، لأنه يمنع المكلّفَ مباشرةً . وقولُ المولى "الإفطار سبب لترتّب الكفّارة" حكم موضوعي ، وقولُه "من أفطر يجب عليه أن يدفع كفّارة" حكم تكليفي . إذن الأحكام الموضوعية تستـتبِع دائماً أحكاماً تكليفيّة .
فإن قلتَ : إذا مات الميّتُ وعليه صلاةٌ أو صيام مثلاً ، ولم يكن له وَلَدٌ ذَكَرٌ ، فإنّ القضاء يكون ثابتاً في ذمّته ، ومع ذلك فإنه لا يستـتبع حكماً تكليفياً عليه ، لأنه ميّت ! ومثلُه كلُّ شخص غير مكلّف ـ كالصغير والمجنون ـ إذا أتلف مالَ الغير ثم مات قبل البلوغ !
قلتُ : هذا صحيح ، لكنْ عدمُ ترتّب الحكم التكليفي إنما هو لعدم الموضوع للتكليف ، لا لعدم المقتضي للتكليف الإلزامي ، ولذلك لو فُرِض رجوع الميّت إلى الحياة أو كبر الصبي حتى بلغ أو أفاق المجنون ، لَوَجَبَ عليهم أن يَرُدّوا ما ثبت في ذمّتهم إلى صاحبه ، ولو في الآخرة . ولذلك ، فإنّ قاعدة أنّ (الحكم الموضوعي يستـتبع حكماً تكليفياً دائماً ) هي قاعدة صحيحة ، لا تـنخدش أصلاً ، وإلاّ لم يَعُدْ للحكم الموضوعي أيُّ قيمة .
(٢) الأحكام الشرعيّة الموضوعية : الحكم الشرعي الواقعي الموضوعي هو كالحكم الكُلّي بالطهارة ـ مثلاً ـ على الشيء الكُلّي ، وكالحكم الكُلّي بالنجاسة على الشيء الفلاني الكُلّي ، وكذلك طهارة هذا الشيء الخارجي ونجاسة ذاك هي أحكامٌ شرعيّة ، وذلك لأنها صدرت من جهة الشرع ، يعني أنّ (الماء النظيف طاهر) بمعنى (كلّ ماء نظيف هو طاهر) هو الحكم الشرعي الموضوعي الموجود في عالم الجعل ، وكذلك طهارة هذا الماء الخارجي النظيف هي حكمٌ شرعي ، حتى وإن كان تطبـيقاً للحكم الشرعي الكُلّي الموجود في عالم الجعل . ووصْفُنا لمؤدّيات الأمارات والوظائف العمليّة بأنها أحكام شرعيّة لا يعني أنّ المولى شرّعها مرّة ثانية ، ولا يعني أنها أحكامٌ واقعيّة ، وإنما سمّيناها بذلك لأنها صدرت من قِبَل الحجج الشرعيّة والأصول العمليّة ، وبالتالي صدرت من قِبَلِ الشرع ، فصارت حجّة شرعيّة علينا .
ثم إنّ العلماء يسمّون الطهارةَ والنجاسة والملكيّة والزوجيّة أحكاماً موضوعيّة ، لكنهم يقصدون بذلك : الحكم بالطهارة على الشيء الفلاني ، والحكم بالملكيّة على العلاقة الفلانـيّة في حال حصول العقد الفلاني أو الأمر الفلاني ، والحكم بالزوجيّة بين الرجل والمرأة في حال حصول العقد الفلاني .. لكنهم تساهلاً وللسرعة في التعبـير يقولون كالطهارة والنجاسة وو ..