دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٧٨ - * دليل وجوب المـقدّمات المـُفَوّتة
ففرقٌ بين أن تـقول في الوجوب المشروط "إذا جاء وقت الزوال وجبت الصلاة عن طهارة" ـ فلا تجب تهيئة الطهارة قبل الزوال حتى ولو كنت تحتمل عدم التمكّن من تحصيلها بعد الزوال ـ وبين أن تـقول لخادمك ـ عند الصباح ـ في الواجب الفعلي ، المعلّق على زمان لاحق "إذبح شاةً قبل الظهر وقطّعها واشْوِها لأنّ ضيوفنا سوف يجيؤون بعد الظهر للغداء" ـ فتجب ح تهيئة الشاة قبل الظهر بأن يذهب إلى السوق وو ... ـ .
وتظهر الـثمرة في وجوب المقدّمات المـفوّتة التي يؤتَى بها قبل الحجّ ـ كالسير إلى الحجّ ـ ، فعلَى القول بكون وجوب الحجّ فعلياً من حين الإستطاعة يجب الإتيان بالمقدّمات ، بخلاف ما لو قلنا بعدم الوجوب الفعلي للحجّ من حين الإستطاعة وأنّ الفعليّة تـتمّ إذا بقي حـيّاً ، ولولا القولُ بالواجب المعلّق لا يمكن إثبات وجوب المقدّمات المفوّتة قبل مجيء وقت الواجب[٣٢٦] .
أمّا الوجوبان المطلق والمشروط فأمران واضحان ، لكن يجب أن تكون كلّ الواجبات الشرعيّة مشروطة ـ إرتكازاً ـ بـبقاء الإنسانِ حيّاً وقادراً إلى آخر وقت الواجب ، بمعنى أنّ فعليّة الواجبات الشرعيّة مشروطةٌ ـ إرتكازاً ـ بـبقاء الإنسان حيّاً وقادراً إلى آخر وقت إنجازها ، وإلاّ فلو صلّى الشخصُ في أوّل وقت الفريضة تماماً ومات أثـناءها فإنّه لا يجب على الولد الذكر الأكبر أن يقضي عن أبـيه صلاتَه هذه ، لأنـنا استكشفنا أنّه لم يكن يوجد متّسع للأب لأداء الصلاة . ولعلّ صاحب الفصول يقصد أنّ الوجوبَ فعليّ من حين الإستطاعة ، لكن على المستوى الظاهري ، فنحن ـ الجاهلون بالغَيـب ـ نقول الوجوبُ فعلي فنعمل على هذا الأساس من باب الإحتياط ولاحتمال بقائـنا أحياءً إلى آخر وقت الواجب ، فنهيّئ مقدّمات الحجّ ، لكن على مستوى الواقع نـنـتظر إلى آخر وقت العمل ، فإن بقي الشخصُ حياً وقادراً فإنـنا نستكشف أنّ العمل كان فعليّاً عليه واقعاً ، وإن مات أو عجز استكشفنا أنّ الفعل لم يكن عليه فعليّاً واقعاً .
وكذا في غير قضيّة بقائه حيّاً وقادراً إلى آخر الواجب الشرعي ، فلا شكّ في صحّة ما ذكره صاحب الفصول أيضاً من الفرق بين الواجب المعلّق والوجوب المشروط ، فمثلاً : لا شكّ في وجود فرقٍ بين قولك لمن اقتَرَضَ منك "إن صار معك مالٌ فاقضِ ما لي عليك من دَين" ـ في الوجوب المشروط ـ وبين قولك له "إدفع لي دَيني بعد يومين ولو بأن تـقترض" ـ في الواجب المعلّق ـ ، فالأوّل الوجوب مشروط ، والثاني الواجب معلّق ، والوجوب في الواجب المعلّق مطلقٌ أي فعليّ ، فيجب عليه أن يهيّئ المالَ قبل وقت وجوب أدائه ـ ولو بالإقتراض ـ بحيث يكون قادراً على أدائه في وقته .
[٣٢٦] الفصول الغرويّة ص ٧٩ ـ ٨٠ .