دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٤٩ - البحث الثالث حجيّة الإستصحاب على أساس الأخبار
*ثم قال له الإمامُ (ع) ـ جواباً على سؤاله الثالث السالف الذكر ـ : تغسله ولا تعيد الصلاة ، قلت : ولِمَ ذلك ؟ قال : لأنك كنت على يقين من طهارتك ، ثم شككتَ ، فليس ينبغي لك أن تـنقض اليقين بالشكِّ أبداً أي أنّ الإمام يقول له : أنت كانت وظيفتُك أن تستصحب طهارةَ ثوبِك ، فصلّيتَ ، فأصَبْتَ وظيفتَك التي كان عليك فِعْلُها . فالإمامُ (ع) يقول بكفاية الطهارة الظاهريّة في صحّة الصلاة ، وعليه ، فيكون مرادُ الإمام أن يقول بأنّ شرط الصلاة هي أعمّ من الطهارة الواقعيّة ، فتكون الصلاةُ صحيحةً واقعاً .
فإن قلتَ : لا يمكن الجزمُ بذلك ، فكلامُ الإمامِ (ع) هنا يَحتمل أن تكون الصلاةُ صحيحةً ظاهراً فقط ، لأنّ المقام هو مقامُ الشكّ والجهل بالطهارة ، فيكون الإنسانُ معذوراً لا أكثر . وبتعبـير آخر : يريد الإمام أن يقول : أنت قمتَ بوظيفتك الشرعيّة فلا تعيد صلاتَك ـ حتى وإن كانت فاقدةً لبعض الملاك والمصلحة ـ ولكنه لم يقل "صلاتك صحيحة واقعاً" ، فإذن يُحتمَلُ أن يكون عدمُ الإعادة من باب المعذوريّة والمنّ والتـفضّل لا أكثر ـ أي لا مِن باب صحّة الصلاة واقعاً ـ . ولعلّ قولَ الإمام لا تعيد الصلاة ـ دون قولِه "صحّت صلاتُك" ـ إشارةٌ إلى ذلك .
قلتُ : هذا غيرُ صحيح ، فإنّ قولَ زرارة : فإنْ ظنـنتُ أنه قد أصابه ولم أتيقَّن ذلك ، فنظرتُ فلم أرَ شيئاً ، ثم صلَّيتُ فرأيتُ فيه ؟ وقول الإمامِ (ع) تغسله ولا تعيد الصلاة ، وسؤال زرارة عن علّة عدم الإعادة بقوله : ولِمَ ذلك ؟ وجواب الإمام لأنك كـنت على يقين من طهارتك ، ثم شككتَ ، فليس ينبغي لك أن تـنقض اليقين بالشك أبداً صريح في أنّ عِلّةَ عدمِ الإعادة هي أنه كان على يقين من طهارته ثم شكّ وليس ينبغي له أن ينقض اليقينَ بالشكّ أبداً ، وهذا يعني ـ بوضوح ـ أنّ شرط الصلاة هي الطهارة الأعمّ ، أي أنّ علةَ عدم الإعادة هي أنّ هذا الشخصَ قد حقّق الشرطَ المطلوب ، وبالتالي تكون صلاتُه صحيحةً واقعاً وليس ظاهراً .
٤ ـ قلتُ : فإنّي قد عَلِمْتُ أنه قد أصابه ولم أدْرِ أين هو ، فأغسلُه ؟ قال : تَغْسِلُ من ثوبك الناحيةَ التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك وهذا أمر عقليّ محض .
٥ ـ قلتُ : فهل علَيَّ إن شككتُ في أنه أصابه شيءٌ أن أنظر فيه ؟ قال : لا ، ولكنك إنما تريد أن تُذهِبَ الشكَّ الذي وقع في نفسك ، وهذا يعني أنه لا يجب في هكذا شبهاتٍ موضوعيّةٍ أن نـتـفحّص ونبحث .