دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٤٦ - البحث الثالث حجيّة الإستصحاب على أساس الأخبار
الصفتي الوجداني ، وذلك بدليل قيام أيّ حجّة شرعية مقام اليقين الوارد في الرواية حتى ولو كانت الحجّةُ قاعدةَ الطهارة ، وأنت حينما تقول لشخصٍ "أنا أعلم أنّ الكتاب لزيد" فهذا القول هو بقوة قولك "هذا الكتاب لزيد" ، وهنا الأمرُ كذلك تماماً ، فإذن المرادُ من اليقين بالحالة السابقة في قوله (ع) ولا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشك ، وإنما تـنقضه بـيقين آخر هو نفس الحالة السابقة .
والصحيح هو الإحتمال الأخير بالتقريب السالف الذكر ، ثم إنك تلاحظ أنّ الإمام (ع) يريد أن يقول : إن شككتَ في طروء عارضٍ على الحالة السابقة غيَّرها فإنّ عليك أن تستصحبَ الحالةَ السابقة ، فيكون الشكُّ بطروء علّةٍ غيَّرَتْ الحالةَ السابقة سبـباً للحكم بوجوب استصحاب الحالة السابقة ، فيكون المستصحَب الحقيقي هو الحالة السابقة ، فكأنّ الإمام (ع) يقول لا تـنقضِ الحالةَ السابقة المتيقَّنة ، واستصحب بقاءَها ، ولا تـنقضْها إلا بـيقينٍ آخر ، أو قُلْ : كأنّ الإمام (ع) يقول "إن شككتَ فاستصحبْ بقاءَ الحالةِ السابقة" فيكون المستصحَبُ الحقيقي هو الحالة السابقة ، ويكون شرطُ الإستصحاب هو الشكّ .
ثم إنه سيأتيك بعد قليل صحيحةُ عبد الله بن سنان الذي يقول فيها : سأل أبي أبا عبد الله (ع) وأنا حاضر : إنّي اُعير الذمّيّ ثوبي ، وأنا أعلم أنه يشرب الخمرَ ويأكل لحم الخنزير ، فيردّه عليّ ، فأغسله قبل أن اُصلّيَ فيه ؟ فقال أبو عبد الله : صَلِّ فيه ، ولا تغسلْه من أجل ذلك ، فإنك أعرته إيّاه وهو طاهر ، ولم تستيقن أنه نجّسه ، فلا بأس أن تصلّيَ فيه حتى تستيقن أنه نجّسه [٧٤٧] وهو كلام صريح فيما نقول ، فإنّ الإمام (ع) يريد أن يقول "إبنِ على طهارته وصَلِّ فيه ، ولا تغسلْه من أجل ذلك ، فإنك أعرته إيّاه وهو طاهر ، ولم تستيقن أنه نجّسه ، فلا بأس تبني على بقاء طهارته وتصلّيَ فيه" .
وبتعبـيرٍ آخر : لاحِظْ كيف نَظَرَ الإمامُ (ع) ـ في قوله فإنه على يقين من وضوئه ولا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشك ، وإنما تـنقضه بـيقين آخر ـ إلى لزوم إبقاء الحالة السابقة ولزومِ استصحابها ، ولذلك مَن يلاحظُ الرواياتِ يرى أنها تقول : إن لم تستيقن أنك قد نُمت فاستصحبْ وضوءَك ، وإن لم تستيقن أنّ ثوبك تـنجّس فاستصحِبْ طهارتَه ، وهكذا تماماً الروايةُ الثانية ـ التالية ـ وغيرُها ، فَعِلّةُ استصحاب الحالة السابقة هي (عدمُ العِلم بطروء عارضٍ غيَّر الحالةَ السابقة) ، والمعلولُ هو (لزوم استصحاب الحالة السابقة) ، إذن فالمستصحَبُ هو الحالةُ السابقة بوضوح .
[٧٤٧] ئل ٢ ب ٧٤ من أبواب النجاسات ح ١ ص ١٠٩٥ .