دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٥٩ - المقام الأوّل هل العلم الإجمالي علّةٌ تامّةٌ
ومن المؤسف حقّاً أن يقول بعضهم بأنّ المقدار المنجّز هو فقط الجامع ، فهو فقط ، المعلوم عندنا ، إذن هو فقط ، المنجّز علينا ، وأنّ من شروط التـنجيز أن يُعلم شخصُ التكليف بنحو تـفصيلي ، كما أنّ من المؤسف تشبـيهَ مسألتـنا بالشبهات البدْوية أو بالشبهة الغير محصورة .
أقول : لا داعي أصلاً لأن يكون من شروط التـنجيز العلم التـفصيلي بشخص التكليف ، وغير صحيح أن يكون المنجّز علينا هو الجامع بين الواقعي وغير الواقعي ، بل لا وجه لتـنجيز الجامع ، بل لا سبب لتـنجيز الجامع ، إنما المنجَّز علينا هو خصوص الواقعي الخارجي الضائع ، وهذا أمر عقلي واضح ، فإنـنا علمنا بوقوع نجاسة في أحد هذين الإناءين ، هذا المعلوم هو المنجّز علينا ـ دون الطاهر ـ فيجب علينا الإحتياط بين الإناءين إذن ، لتجنّب شرب النجس الواقعي ، كما يجب أن نصلّي الظهر والجمعة لإدراك الفريضة الواجبة ، وذلك لِعِلْمِنا بوجوب إحدى الفريضتين علينا ، لذلك هي منجّزة علينا ، ولكن لعدم علمنا بشخصها يجب الإحتياط بالإتيان بكلتا الفريضتين ، وذلك لإدراك المصلحة الإلزامية الواقعية الضائعة ، وح لا يمكن ـ ثبوتاً ـ أن تجري البراءةُ العقلية أو النقلية ، كما لو كان كلا الإناءين متـنجّساً ، ثم طهرنا أحدهما ، وبقي الآخر على النجاسة ، فإنه يجب عقلاً الإحتياط بتركهما معاً بلا محلّ لجريان استصحاب نجاستهما .
على أنـنا لو تـنزّلنا وقلنا بعدم تـنجيز خصوص الطرف الواقعي فإنـنا نقول بفعلية التكليف المجهول ، بالتسالم بين جميع العلماء ، وهذا أيضاً يوجب الإحتياط بين جميع الأطراف . وأنت تعلم أنه إذا زالت الشمسُ فقد وجبت الصلاة فعلاً ، حتى ولو لم يعلم المكلّف بالزوال ، وكذا لو استطاع إلى الحجّ فإنّ وجوب الحجّ يصير عليه فعلياً حتى ولو لم يعلم المكلّف بفعلية وجوب الحجّ عليه .
نعم ، إذا كثرت أطراف العلم الإجمالي كثيراً حتى خرج بعضُها عن محلّ الإبتلاء ـ كما في سوق المسلمين ـ هنا أجاز لنا اللهُ تعالى ارتكابَ بعض الأطراف مَنّاً منه وتوسعة على خلقه وعياله ، وكي لا يقعوا في الحرج والضرر ، ولكن هذا من باب جواز مسّ المرأة الأجنبـية عند الضرورة ، ومن باب أكل الميتة عند الضرورة . أو قُلْ : هنا قَدّم الشارعُ المقدّسُ الأهمَّ على المهمّ ، ولذلك تحرم المخالفةُ القطعية ، لا بل تحرم المخالفةُ الإحتمالية أيضاً وتجب الموافقةُ القطعية ، ولن تجري الاُصول المؤمّنة في بعض الأطراف ، إلاّ بمقدار وقوع الناس في الحرج والضرر كما في سوق المسلمين ، لاحِظْ ما رواه أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن أبـيه عن محمد بن سنان عن أبي الجارود قال : سألت أبا جعفر (ع) عن الجُبْن ؟ وقلت له : أخبَرَني مَن رأى أنه يُجعل فيه المَيتةُ ، فقال : أمِنْ أجْلِ مكانٍ واحدٍ يُجعل فيه المَيتةُ حُرِّمَ في جميع الأرضين ؟! إذا علمت أنه ميتة فلا تأكلْ ، وإن لم تعلم فاشترِ