دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٦١ - المقام الأوّل هل العلم الإجمالي علّةٌ تامّةٌ
أقول : إعلم أنّ الرواية ناظرة ـ كما قلنا قبل قليل ـ إلى مورد سوق المسلمين ، وهكذا موردٌ يجب فيه الترخيص ، وإلاّ لوقع الناس في الضرر والحرج ، سواءً كانوا باعةً أو مشترين ، فقدّم المولى تعالى مصلحةَ التيسير على خلقه على مفسدة الحرج والضرر ، فكأنّ هذه الرواية مصداق لهتين القاعدتين .
* إذن ما هي علّة التـنجيز في موارد العلم الإجمالي ؟
لا شكّ أنه على مسلك حقّ الطاعة ـ أي على مسلك تـنجيز مطلق الإحتمال ـ يكون العلم الإجمالي منجّزاً لكلّ طرف ، لأنّ نفس احتمال مصادفة الواقع يقتضي لزوم الإحتياط ، ولذلك كان الذي يرتكبُ أحدَ الأطرافِ يستحقُّ العقابَ ـ وهذا بالنظرة البدْويّة الإجماليّة ـ .
وأمّا على مسلك قبح العقاب بلا بـيان وجريان البراءة في موارد الإحتمال :
ـ فهل تـقول بأنّ المنجَّز في العلم الإجمالي هو الواقع الذي نجهله ولا نعرفه ، لأنه هو السبب في تـنجّز جميع أطراف العلم الإجمالي ، وهذا هو المنقول عن المحقّق الخراساني في دورته الاُولى ـ التي كتبها المحقّق الشيخ الكاظمي ـ . وبتعبـير آخر : أنا أعلم بأنّ بين هذه الآنية إناء متـنجّساً ، فالبـيان تامّ ، وليس ناقصاً ، والفرقُ بين العلم الإجمالي والعلم التـفصيلي هو أنه في العلم الإجمالي لا أعرف خصوص الإناء المتـنجّس ، وفي العلم التـفصيلي أعرفه بعينه ، لكنْ هذا المقدار من الفرق لا يمنعنا من القول بأنـنا نعلم قطعاً بنجاسة أحدهما ، وأنّ البـيان تامّ ، أو قُلْ العلم تامّ وإن كان خصوص المعلوم مردّداً ، هذا الجهلُ بخصوص المتـنجّس لا يؤثّر على علمنا بوجود نجس واقعي بين الآنية . ولذلك ترى العقلَ يَحكُمُ بوجوب الإجتـنابِ عن جميع الأطراف إحتياطاً ، تجنّباً عن الوقوع في مخالفة الواقع ، وهذا يعني أنّ مخالفة بعض أطراف العلم الإجمالي توجب استحقاق العقاب أيضاً ، لأنه تجرّؤٌ وإقدام على احتمال المعصية ، وهو قبـيح ومنكَر عقلاً ، وبالتالي يقتضي العلم الإجمالي لزوم الموافقة القطعيّة ، وذلك لأنّ الواقع المجهول هو السبب في لزوم اجتـناب كلّ الأطراف . المهم هو أنـنا هل يجب أن نـنظر إلى كلّ طرف بما هو طرف للعلم الإجمالي ، وليس بحدّ ذاته ومع غضّ النظر إلى اقترانه بالعلم الإجمالي ؟
ـ أم تـقول : أنا أعلم بنجاسة (أحدهما) فقط ـ ونعني بقولنا (أحدهما) هو أحدهما الخارجي لا الذهني ـ هذا الجامع هو المقدار المبين فقط ، وبالتالي يكون العلم الإجمالي مقتضياً للتـنجيز بقدر الجامع فقط ، وبما أنّي لا أعلم بنجاسة هذا الطرف بالذات ولا بذاك ، إذن فَعَلَيّ أن اُجريَ الاُصولَ المؤمّنة العقليّة والشرعيّة في كلّ طرف مع غضّ النظر عن اقترانه بالعلم الإجمالي ، ثم لأجل عِلْمِنا بكذب