دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٦٢ - المقام الأوّل هل العلم الإجمالي علّةٌ تامّةٌ
النـتيجة ـ وهي تحليل كلا الطرفين ـ تـتساقط الاُصول المؤمّنة ، وذلك لعدم الترجيح بلا مرجّح ، فنبقى بغير أصل مؤمّن ، وهذا ما نسب إلى المحقّق النائيني ، فنرجع إلى حكم العقل بقبح الإقدام على المعصية المحتملة ، فالعقلُ يرى أنّ ارتكاب الطرف المحتمل الحرمة في الشبهات المحصورة هو منكر ، ويستحق الإنسان عليه العقاب .
*الصحيح هو الإحتمال الأوّل ، وذلك لسبـبين :
الأوّل : إنّ علينا أن نـنظر إلى كلّ طرف مع الأخذ بعين الإعتبار كلّ متعلّقاته ، كتعلّقه بالعلم الإجمالي ، ثم نعطي الحكمَ على الطرف .
فإذا علمتَ هذا فاعلم أنّ ما ندّعيه من كون متعلّق العلم هو الواقع هو أمر بديهي ، وكذا الكثير من مسائل العلم الإجمالي هي بديهيّة ، فمثلاً لو سألنا المتشرّعة العوام ـ على فرض فهْمِ لغتـنا الاُصوليّة ـ هل يشربون أحدَ إناءين إذا كانوا يعلمون بنجاسة أحدهما ؟ فسيجيـبون بالنفي ، فنعود ونسألهم : لماذا لا تشربون أحدَ الإناءين ؟ فسيجيـبون : لأنّ بين الآنية إناءً نجساً . ولو فهّمناهم بعدئذ على البراءة والطهارة والحِلّيّة الشرعيّة ، ثم سألناهم مرّةً ثالثة : لو طهّرنا أحدَ الآنية وبقيت بقيّةُ الآنية ، هل تشربون من بقيّة الآنية مع احتمال بقاء النجاسة في أحدها ؟ لأجابوا أيضاً بالنفي ، ولو سألناهم عن سبب ذلك لأجابوا بأنّ هذه الاُصول ناظرة إلى الشبهات البدويّة ، لا إلى الشبهات المقترنة بالعلم الإجمالي ، أي لأنـنا نعلم بأنّ أحد هذه الآنية بما فيها الإناء الذي طهّرناه هو نجس حتماً ، فالإناء الذي طهّرناه لا يرفع عِلْمَنا بنجاسة أحد (كلّ الآنية) بما فيها الذي طهّرناه ... ما اُريد أن أقوله هو أنّ هذه الاُمور ، بل الأعمّ الأغلب من مباحث العلم الإجمالي هي اُمور بديهيّة جداً ، لا تحتاج إلى بحث أو تحقيق ..
المهم هو أنه يترتّب على قولنا بتعلّق العلم بالواقعِ عدمُ صحّة جريان الاُصول المؤمّنة في أيّ طرف من الأطراف بذريعة غضّ النظر عن اقترانه بالعلم الإجمالي ، وإنما يجب أن نـنظر إلى أطراف العلم الإجمالي بما أنها مقترنة بالعلم الإجمالي . وح يكون مجرّدُ احتمالِ إصابة الواقع مقتضياً للزوم الموافقة القطعيّة وموجباً لاستحقاق العقاب عقلاً ، وهذا أمْرٌ يدركه كلّ عاقل .
والثاني : إنّ قولهم بأنّ المعلوم هو (أحدهما الخارجي) لا معنى له إلاّ الواقعَ الخارجي المجهول ، ولا يمكن غيرُ هذا ، إذ لا يمكن أن يكون هو (أحدهما الذهني) لأنّ المنجّز هو النجس الخارجي وليس النجس الذهني ، كما لا يمكن أن يكون (أحدهما) هو (الفرد المردّد) لأنه لا وجود له أصلاً ، لا في الذهن ولا في الخارج . مثلاً : إذا سمعنا صوتَ إنسان في المسجد ، وعرفتَ مِن صوته أنه إمّا