دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٥٨ - المقام الأوّل هل العلم الإجمالي علّةٌ تامّةٌ
فيما لو وجب علينا إكرامُ العالم الفلاني ، وتردّدنا في شخص العالم المراد إكرامه ، فإنه بناءً على هذه النظرية يجب إكرامهما معاً ، إحتياطاً لإدراك الواقع هذا على مستوى الشبهة الحكمية ، وكذلك الأمر تماماً على مستوى الشبهة الموضوعية ، فلو كان أحد إناءين نجساً فبناءً على هذه النظرية يجب الإحتياط بتركهما معاً ، ولا يجوز شرب أحدهما ، حفاظاً على النجس الواقعي الضائع ، وبالتالي لا نحتاج إلى القول بتساقط الاُصول المؤمّنة للقول بلزوم الموافقة القطعية .
أم أنّ العلم الإجمالي مقتضٍ للتـنجيز فقط ، بمعنى أنه يمكن ورود الترخيص في كلّ أو في بعض الأطراف ولو في بعض الحالات ، فإذا وردنا ترخيصٌ أخذنا به وبطلت ح منجّزيّةُ العلم الإجمالي ؟
إذن المقام الأوّل هو في معرفة أنّ العلم الإجمالي هل هو علّة تامّة للحجيّة أو أنه يقتضي الحجيّة فقط ، بمعنى أنه لا مانع من مجيء حكم ظاهري مؤمّن يجوِّزُ ارتكابَ بعضِ أو كلّ أطراف العلم الإجمالي فنقول :
لا شكّ في أنّ مَن يقرأُ ما ذكرناه قبل بضعة أسطر يعرف أنّ العلم الإجمالي علّةٌ تامّة للتـنجيز والحجيّة ـ كما ذهب إليه السيد المروّج في شرحه على الكفاية [٢١٠] ـ بمعنى أنه لو وُجِدت نجاسةٌ في أحد إناءين فإنه لا يمكن عقلاً أن نقبل بحجيّة أمارة أو أصل تجوّز لنا شربهما معاً أو حتى شرب أحدهما ، تحت أيّ ظرف من الظروف ، وذلك لأنّ الترخيص بالقبـيح محال عقلاً ، سواء تلف أحد الإناءين أو طُهِّرَ أو خرج من تحت ابتلائـنا ، فإنه في هكذا حالات لا يجوز شرب الإناء الباقي معنا ، وذلك لبقاء العلم الإجمالي واقعاً قائماً ، بين التالف ـ قبل دقيقة مثلاً ـ وبين الباقي ، فلا محلّ ولا موضوع ولا مورد لجريان الاُصول المؤمّنة في الإناء الباقي أصلاً ، بل لا دليل على ذلك ـ إثباتاً ـ ، وعلى مستوى الإمتـثال لن يشرب الإناءَ الباقي أيّ متديّن في العالم ، بل هو عين التجرّي القبـيح الذي يستحقّ الإنسان عليه العقاب ، هذا إنْ لم يُصِبِ الحرامَ الواقعي ، وأمّا إن أصابه فهو عين المعصية المحرّمة .
بل حتى لو اضطُرِرنا إلى أحد الطرفين ـ لكونه دواءً ضرورياً مثلاً ـ فإنه بلا شكّ يجوز شرب خصوص الإناء المضطرّ إليه ، ولكن هذا لا يعني جوازَ شرب غير المضطرّ إليه . والسبب في ذلك هو أنّ المنجِّز ـ أي العلّة في تـنجيز العلم الإجمالي ـ هو الواقع المجهول عندنا والمعلوم عند الله تعالى ، والقبـيح كما يوجد في الإناء الواحد المعلوم ، كذلك يوجد بنفس القوّة إذا اختلط هذا الإناء المتـنجّس ـ الذي كان معلوماً قبل دقائق مثلاً ـ مع غيره فجهِلْنا النجسَ بعينه .
[٢١٠] منـتهى الدراية في شرح الكفاية ج ٤ للسيد محمد جعفر الجزائري المروّج / بحث تـنجّز التكليف بالعلم الإجمالي هامش ص ٥٤٤ .