النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٢٦ - زيادة و تفصيل
شدة التقارب الزمنىّ، مع أنهما غير متقاربين فى الواقع؛ كقولهم فى وصف حركات الحصان السريع: (إنها كرّ مع فرّ، و إقبال مع إدبار [١] ... ) فاجتماع الكر و الفر فى زمان واحد محال، و كذلك اجتماع الإقبال و الإدبار؛ فالمراد من الاجتماع الزمنىّ فى مثل هذا هو: شدة التقارب. و كقولهم للحزين الضائق:
«لا تحزن؛ فإن مع العسر يسرا، و إن مع اليوم أخاه الغد، يقبل بالخير و الإسعاد» .
فالعسر و اليسر لا يجتمعان فى زمان واحد لإنسان. و كذلك اليوم و الغد... و... و إذا المراد من الاصطحاب الزمنىّ و الاجتماع قد يكون حقيقيّا، و قد يكون بمعنى التقارب الشديد.
و مثال صلاحه للأمرين قولهم: (احتفينا بالعلماء الأجانب مع علمائنا، و كرّمناهم مع النابغين من رجالاتنا) .
و كلمة: «مع» بدلالتها السالفة، ظرف غير متصرف، ملازم-فى الأغلب-للإضافة لفظا و معنى؛ و للإعراب؛ فهو منصوب على الظرفية بالفتحة. و قليل منهم يبنيه على السكون فى كل حالاته، إلا إذا وقع بعده حرف ساكن فيبنيه على الكسر؛ للتخلص من التقاء الساكنين، أو على الفتح للخفة [٢] فيقول مع البناء على السكون: (لا أمن مع ظلم الوالى، و لا عمران مع طغيانه) .
و يقول عند التقاء الساكنين:
قد يدرك المتأنى بعض حاجته # و قد يكون مع المستعجل الزّلل
ببناء كلمة: «مع» على الفتح أو الكسر.
الثانية: أن تكون ظرفا بمعنى: «عند» [٣] ، و مرادفة لها، فى إفادة معنى الحضور المجرد، فتكون ظرفا لا دلالة فيه على اجتماع و مصاحبة، و تكون معربة، مضافة، واجبة الجر «بمن» الابتدائية؛ نحو: (الكفيل على اليتيم يرعاه،
[١] الكر: الهجوم، و الفرّ: الفرار. و منهما قول امرئ القيس يصف حصانه: -و له إشارة فى ص ١٢٩-
مكرّ، مفرّ، مقبل، مدبر، معا # كجلمود صخر حطّه السيل من عل
[٢] إذا بنى على الفتح عند هؤلاء و هو مضاف، فكيف نعلم أن الفتحة فى آخره فتحة إعراب أو فتحة بناء؟يكون التمييز بالقرائن؛ كأن نعلم أن الناطق به فرد من تلك القبائل القليلة التى تبنيه، أو ممن يحاكيهم.
[٣] سبق الكلام عليها فى ص ١٢١ و فى جـ ١ ص ٢٢٢ م ٨٩.