النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٠٦ - زيادة و تفصيل
و قد سبق بيان الأفعال الأخرى الناسحة التى يكثر استعمالها بمعنى: «صار» و بشروطها (و هى: كان-ظل-أصبح-أضحى-أمسى) .
ليس: تفيد مع معموليها نفى اتصاف اسمها بمعنى خبرها فى الزمن الحالىّ [١] نحو: ليس القطار مقبلا. فالمراد نفى القدوم عن القطار الآن. و لا تكون للنفى فى الزمن الحالى إلا عند الإطلاق، أى: عند عدم وجود قرينة تدل على أن النفى واقع فى الزمن الماضى، أو فى المستقبل: فإن وجدت قرينة تدل على أنه واقع فى أحدهما وجب الأخذ بها؛ نحو: ليس الغريب مسافرا أمس، أو: ليس سافر [٢] الغريب، أو: زرعت الحقول ليس حقلا... [٣] فوجود كلمة:
«أمس» ، أو. وجود الفعل الماضى [٤] بعدها، أو قبلها-دليل على أن النفى للماضى... أما فى نحو: ليس الغريب مسافرا غدا، أو قوله تعالى فى عذاب الكافرين يوم القيامة: (أَلاََ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) ، فيكون النفى متجها للمستقبل؛ لوجود قرينة لفظية فى المثال؛ و هى كلمة: «غد» الدالة عليه و لوجود قرينة عقلية فى الآية تدل عليه أيضا، هى: أن يوم القيامة لم يأت حتى الآن.
و قد يكون المراد منها نفى الحكم نفيا مجردا من الزمن؛ كقول العرب: ليس لكذوب مروءة، و لا لحسود راحة، و لا لسيئ الخلق سؤدد.
[١] الحال، هو زمن الكلام. و بالرغم من أنها لنفى الحال كثيرا-و قد تكون لنفى الزمن الماضى أو المستقبل بقرينة-فإنها عند الإعراب تعرب فعلا ماضيا فى كل أحوالها، و كذلك لو كانت للنفى المجرد من الزمن.
[٢] هذا الأسلوب غير شائع فى الكلام القديم، فلا داعى لمحاكاته، و الفعل و الفاعل فيه، فى محل نصب خبر «ليس» ، و اسمها ضمير الشأن محذوف-و قد سبق هذا عند الكلام على ضمير الشأن؛ ص ٢٣٠-و قلنا الأحسن فى هذا الأسلوب و نظائره مما يقع فيه فعل بعد «ليس» مباشرة أن تكون هى حرف نفى مهمل (أى لا يعمل؛ فليس له اسم، و لا خبر) و هذا الإعراب أيسر و أنسب لمثل هذه الصيغة؛ لأن وقوع الفعل تاليا الفعل الذى من نوعه قليل فى الكلام الفصيح إذا كان التالى لغير توكيد لفظى. و إهمالها فى هذه الصورة يوافق لغة تميم التى تهملها فى كل الأحوال، و بلغتهم: «ليس الطيب إلا المسك» . و لكن لا يحسن الأخذ اليوم برأى تميم، إلا فى الصورة التى أشرنا إليها.
و يرى القرطبى: (فى مقدمة تفسيره فى باب الرد على من طعن فى القرآن، ص ٧٠) أن التركيب السابق ضعيف؛ لأن «ليس» لا تنفى الماضى، و الوارد منه هو قولهم: «أ ليس قد خلق اللّه مثلهم» ، بدخولها على الماضى المقرون بقد، و «قد» تقربه من الحال.
[٣] «ليس فى هذا المثال فعل من أفعال الاستثناء، كما سيجىء فى بابه جـ ٢.
[٤] و يفهم من هذا صحة وقوع الفعل الماضى فى خبرها. و لكنه قليل-كما سلف فى رقم ٢- و يستحسن أن يكون هذا الماضى مقرونا لتقربه من الحال، كما سبق فى رقم ٣ من هامش ص ٤٩٧، أما الاعتراض. بأن: «ليس» لنفى الزمن الحالى، فيلزم من الإخبار عنها بالماضى تناقض-فقد أجاب «النحاة» عنه بأنها تكون لنفى الحال فى الجملة غير المقيدة بزمان، أما المقيدة به فنفيها على حسب القيد.