النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٣ - النوع الأول تنوين الأمكنية
خاص يتضمن أسباب منع الاسم من الصرف [١] ...
(حـ) قسم لا تتغير حركة آخره بتغير التراكيب [٢] . لكن قد يدخله التنوين أحيانا لغرض. و إليك الإيضاح.
ق-و ترك وصفيته السابقة، و انتقل إلى العلمية. مثل: «أحمر» علم، فإنه حين تزول عنه العلمية الطارئة يرجع إلى ما كان عليه قبلها و يعود وصفا كما كان و يظل ممنوعا من الصرف بشرط وجود العلة الثانية.
و كلمة: «أحمد» ينطبق عليها هذا من ناحية رجوعها إلى الوصفية السابقة حين تزول عنها العلمية الطارئة، فكيف تنون إن زالت علميتها و بقيت العلة الثانية؟
ربما كان يرى فرقا بين «أحمد» و «أحمر» هو أن «أحمد» متوغل فى علميته حتى نسيت وصفيته و أهملت، فإن زالت عنه علميته لم يرجع إلى وصفيته السابقة عليها؛ بخلاف: «أحمر» و أشباهه؛ فوصفيته قوية ملحوظة. لكن الأفضل-كما قلنا-التمثيل بما لا احتمال معه.
[١] سيجىء فى الجزء الرابع. و للنحاة تعليل طويل فى عدم تنوينه؛ و لكنه تعليل يرفضه التأمل.
و قد آن الوقت لإهماله و إنما نذكر ملخصه التالى ليطمئن من يشاء من الخاصة-إلى أنه تعليل مصنوع متكلف. فهم يقولون:
إن الفعل ثقيل على اللسان؛ لقلة استعماله، بالنسبة للاسم؛ فالفعل لا يستعمل إلا مع فاعل اسم؛ أما الاسم فقد يستعمل أحيانا مع الفعل؛ مثل: (نفع الكتاب) ، و قد يستعمل أحيانا مع الاسم مثل: (الكتاب نافع) . فالمواضع التى يشغلها الاسم أكثر من المواضع التى يشغلها الفعل؛ و كثرة الاستعمال داعية إلى خفة النطق و سهولته.
و شىء آخر؛ هو أن الفعل لا يوجد إلا مع فاعل كما سبق، و قد يحتاج إلى مفعول. و معنى هذا أن الفعل لا يوجد منفردا، و لا يدل على معنى بنفسه، و إنما يوجد فى كلام مركب. أما الاسم فإنه قد ينفرد و لا يراد منه إلا مجرد الدلالة على شىء (أى: على مسمى) كما عرفنا-فى ص ٢٥-. و المفرد أخف من المركب فى النطق و الاستعمال.
فمن أجل خفته دخله التنوين الذى هو علامة الخفة، و رمز السهولة، و امتنع دخوله على الأفعال؛ لثقلها ثم يتدرجون من هذا إلى قولهم: إن فى كل فعل ظاهرتين؛ إحداهما: لفظية، و هى: اشتقاقه من المصدر (على الرأى الشائع) و اشتراك لفظيهما فى الحروف الأصلية، و المشتق فرع، و المشتق منه أصل، لهذا كان الفعل فرعا من الاسم. و الأخرى: معنوية، و هى: حاجة الفعل إلى الفاعل الاسم كما سبق.
و الاحتياج فرع، و عدم الاحتياج أصل. و لما كان القسم الثانى من الأسماء (و هو المعرب غير المنصرف) لا يمنع من الصرف إلا إذا اجتمع فيه ظاهرتان، أو علتان فرعيتان: إحداهما لفظية، و الأخرى معنوية، كان شبيها بالفعل فى ذلك؛ فامتنع مثله من الصرف؛ فكلمة: «فاطمة» فيها علة لفظية؛ و هى التأنيث؛ و التأنيث فرع التذكير عندهم، و علة معنوية هى: العلمية؛ و العلمية فرع التنكير، فهاتان ناحيتان فرعيتان فى كلمة «فاطمة» ؛ فلا بد من الظاهرتين (العلتين) ، أو من ظاهرة تقوم مقامهما؛ و ذلك فى كل كلمة تمنع من الصرف. و ينتهون من ذلك كله إلى النتيجة التى يريدونها؛ و هى: أن الفعل فيه العلتان، و لا يدخله التنوين. و كذلك بعض الأسماء فيه الظاهرتان أو العلتان-أو ما يقوم مقامهما- فلم لا يمنع من الصرف أيضا بسبب وجود الناحيتين الفرعيتين فلا يدخله التنوين؟
ذلك ملخص كلامهم. و هو مدفوع بأن السبب الحق فى تنوين بعض الأسماء و عدم تنوين بعض آخر أن العرب الفصحاء نطقت بهذا منونا، و بذاك غير منون. فعلت هذا بفطرتها و طبيعتها، لا لسبب آخر؛ كمراعاة لقواعد علمية، و تطبيق لأسس فلسفية منطقية؛ فإن هذه و تلك لم تكن معروفة لديهم فى عصر صدر الإسلام و ما قبله من عصور الجاهلية؛ فلم يستخدموا المشابهة، و لم يستعينوا بقياس المناطقة أو غيره من مسالك الجدل، و التوهم، و أشباهه مما لا يوافق حياتهم الأولى، و لا نشاة اللغة.
[٢] و يسمى: المبنى، و سيجىء الكلام عليه فى بابه الخاص (ص ٦٧ م ٦) .