النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٨ - المسألة ٦
فنحن نرى أن الدواعى تغيرت فى الجمل الثلاث السالفة على حسب المعانى المطلوبة، من فاعلية، و مفعولية، و تكملة أخرى للفعل... و تبعها فى كل حالة تغيّر العلامة التى فى آخر كلمة: «الهلال» . فتغير العلامة على الوجه السالف يسمى: «الإعراب» ، و الداعى الذى أوجده يسمى: «العامل» [١] .
[١] كثر الكلام على العامل قديما و حديثا، و على ما له من أثر سىء فى النحو العربى، و فى الأساليب، و صياغتها، و فهمها. و لم نر بين المتكلمين من راعى جانب الاعتدال و الإنصاف.
و أقوى ما وجهوه إلى العامل من طعن أمران: أولهما: ان النحاة نسبوا العمل إليه؛ فجعلوه هو الذى يرفع، أو ينصب، أو يجر، أو يجزم؛ مع أنه قد يكون سببا فى خفاء المعنى-فى زعمهم- أو تعقيده. و كيف ينسب إليه العمل و هو لا يعمل شيئا؛ و إنما الذى يعمل هو: المتكلم؟
ثانيهما: أن النحاة-و قد قصروا عليه العمل وحده-بحثوا عنه فى بعض التراكيب العربية الصحيحة فلم يجدوه؛ فاضطروا أن يقدروه، و أن يفترضوا وجوده، و يتكلفوا، و يتعسفوا.
و الحق أن النحاة أبرياء مما اتهموا به؛ بل أذكياء، بارعون فيما قرروه بشأن: «نظرية العامل» ؛ فقد قامت على أساس يوافق خير أسس التربية الحديثة لتعليم اللغة، و ضبط قواعدها، و تيسير استعمالها.
و نسوق لهذا مثلا يوضحه، و يزيد الأمثلة السابقة إيضاحا؛ «أكرم محمود الضيف» . فمحمود فى هذه الجملة ينسب إليه شىء. و كذلك «الضيف» . فما الذى ينسب إلى كل منهما؟
ا-ينسب إلى محمود أنه فعل الكرم؛ فهو فاعل الكرم. فبدلا من أن نقول: ينسب إلى محمود أنه فعل شيئا، هو: الكرم، أو: ينسب إلى محمود أنه فاعل الكرم-حذفنا هذه الكلمات الكثيرة و استغنينا عنها برمز صغير-اصطلح عليه النحاة-يرشد إليها، و يدل عليها؛ ذلك الرمز هو: الضمة التى فى آخر كلمة: «محمود» . فهذه الضمة على صغرها تدل على ما تدل عليه تلك الكلمات المحذوفة الكثيرة. و هذه مقدرة و براعة أدت إلى ادخار الوقت و الجهد باستعمال ذلك الرمز الاصطلاحى الذى دل على المعنى المطلوب بأخصر إشارة. -كما سيجىء فى رقم ٢ من هامش الصفحة الآتية.
لكن كيف عرفنا-فى التركيب السابق-أن (محمودا) فعل شيئا، أى: أنه فاعل؟عرفنا ذلك من كلمة قبله هى: «أكرم» و يسميها النحاة: «فعلا» فوجود الفعل دل على وجود الفاعل، و وجود الفاعل يقتضى أن نعلنه، و نذيع أنه الفاعل. و طريقة الإذاعة قد تكون بكلمات كثيرة، أو قليلة، أو برمز يغنى عن هذه و تلك، كالضمة التى اختارها النحاة و اصطلحوا على أنها الرمز الدال، على الفاعلية...
و على هذا يكون الفعل هو السبب فى الاهتداء أولا إلى الفاعل، و إلى الكشف عنه، ثم إلى وضع الرمز الصغير فى آخره؛ ليكون إعلانا على أنه الفاعل، و شارة دالة عليه. فالفعل هو السبب أيضا فى ذلك الرمز و فى اجتلابه و الإتيان به؛ فليس غريبا أن يقول النحاة؛ «إن الفعل هو الذى عمل الرفع فى الفاعل» لأنه السبب فى مجيئه، و يسمونه من أجل ذلك: «عاملا» .
ب-مثل هذا يقال فى كلمة: «الضيف» فقد نسب إليه شىء-كما سبق-فما ذلك الشىء المنسوب إليه؟هو أنه وقع عليه كرم، أو: حصل له شىء؛ هو: «الكرم» . و قد حذفنا هذه الكلمات الكثيرة، و استغنينا عنها برمز صغير اصطلح عليه النحاة، يرشد إليها، و يدل عليها، هو الفتحة فى آخر: الضيف؛ فهى تؤدى ما تؤديه الكلمات المتعددة التى حذفت. و الذى أرشدنا إلى أن الضيف وقع عليه شىء هو وجود الفعل و الفاعل معا قبله. و لما كان الفعل هو المرشد إلى الفاعل و الدال عليه-و كان الفعل هو الأصل فى الإرشاد و فى الدلالة على الفاعل و على المفعول؛ فهو الأصل أيضا فى جلب العلامة الدالة على كل منهما، و هو السبب الأساسى فى مجيئها؛ فسمى لذلك: «عاملها» .
و ما يقال فى الفعل مع فاعله و مفعوله يقال فى غيره من العوامل الأخرى مع معمولاتها؛ سواء أكانت