النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٦٠٤ - المسألة ٥٤
قعطف مفردات... و هذا يقال أيضا فى المثال الثالث: (إن الإهمال مفسد للأعمال و الجهل) فالنصب جائز على اعتبار عطف الجملة على الجملة؛ فيكون التقدير: إن الإهمال مفسد للأعمال و إن الجهل مفسد... و لا يصح أن يكون عطف مفرد على مفرد؛ كى لا يؤدى إلى عدم المطابقة اللفظية؛ بجعل التقدير: إن الإهمال و الجهل مفسد للأعمال...
و هكذا كل أسلوب آخر يشبه هذا الأسلوب. أما حيث لا مانع من عطف المفردات فيجوز مراعاته، أو مراعاة عطف الجمل كما فى المثال الأول...
تعليل الرفع عند تأخر المعطوف أيضا عن الخبر و الاسم معا:
يرى بعضهم أن سبب الرفع فى كلمة: (الشموس-النثر-الجهل-النفط) و أشباهها-هو اعتبار كل واحدة منها، مبتدأ خبره محذوف، يفسره خبر «إن» و الجملة الاسمية التالية، المكونة من المبتدأ و خبره المحذوف معطوف على الجملة الاسمية الأولى المكونة من «إن» و معموليها، فأصل الكلام إن الأقمار دائرات (و الشموس دائرات) -إن الشعر محمود فى مواطن (و النثر محمود فى مواطن... ) و هكذا... فالعطف عطف جملة على جملة. و يرى آخرون أن هذه الكلمات المرفوعة معطوفة على الضمير المستتر فى خبر «إن» و خاصة إن كان الخبر مشتقا و بينه و بين المعطوف فاصل، لأن الخبر المشتق يحوى الضمير المستتر بغير تأويل، و لان وجود الفاصل يرضى القائلين بأنه: ''لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل-و منه المستتر-المستر إلا مع فاصل بين المعطوف و المعطوف عليه (و هو الضمير) ‘‘. فكلمة. «الشموس» يجوز رفعها؛ لأنها معطوفة على الضمير المستتر فى «دائرات» و تقدير الضمير: هى. و الفاصل بينهما موجود. و كلمة. «النثر» يجوز رفعها باعتبارها معطوفة على الضمير المستتر فى كلمة: محمود، و تقديره: هو. و الفاصل موجود أيضا. و كلمة: «الجهل» معطوفة على الضمير المستتر فى كلمة: «مفسد» . و تقديره: هو، و الفاصل موجود، و هكذا... فالعطف عطف مفردات.
و يرى فريق ثالث أن العطف إنما هو على اسم «إن» مباشرة؛ باعتباره فى الأصل مبتدأ مرفوعا قبل مجىء الناسخ؛ فيجوز الرفع مراعاة لذلك الأصل بشرط ألا يتعارض مع المطابقة المطلوبة بين معمولى''إن‘‘.
و لكل فريق من الثلاثة-و غيرهم-أدلة فى تأييد مذهبه، و فى الرد على معارضيه. لكن الحق أن كثيرا من الأساليب العربية الفصيحة ينطبق عليها بعض الآراء دون بعض.
*** ننتقل بعد ذلك إلى الحالة الثانية التى يتأخر فيها الخبر و يتقدم عليه المعطوف؛ فيتوسط بينه و بين اسم «إن» . و قد قلنا: إنه يجوز فيها الرفع و النصب أيضا. و لو لم نأخذ بهذا الرأى لوقعنا فى لجة غامرة من التمحل، و الجدل، و التأويل الذى لا خير فيه، و الذى يمتد إلى القرآن الكريم، و الكلام الفصيح من غير داع مستساغ. و توجيه النصب هنا يحتاج لمزيد من اليقظة و الإدراك، كما سيتبين مما يأتى:
تعليل النصب:
فى مثل: (إن القاهرة و دمشق حاضرتان... ) يجوز نصب «دمشق» على اعتبار واحد هو أنها معطوفة على اسم «إن» المنصوب، و الخبر هو: «حاضرتان» فالعطف عطف مفرد على مفرد، و لا يجوز أن يكون عطف جملة على جملة بإعراب «دمشق» منصوبة اسم «إن» المحذوفة مع خبرها الذى يدل عليه خبر «إن» الموجودة؛ إذ يكون التقدير: إن القاهرة حاضرتان-و إن دمشق حاضرة- فتختل المطابقة اللفظية. هذا إلى أننا سنعطف جملة على جملة لم تكمل و لم تتم. و الأمران ممنوعان.
و لو أعربنا كلمة «حاضرتان» خبر «إن» المحذوفة لكان التقدير: «إن القاهرة حاضرة و إن دمشق