النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٥٣ - زيادة و تفصيل
ظاهرة فى أول الخبر؛ مع أن توهمه غير صحيح. و من العجب أن يتوهم و يتخيل ما لا وجود له، و يبنى عليه آثارا. و هذا أمر يجب الفرار منه-كما قلنا-؛ لما فيه من البعد، و العدول عن الطريقة المستقيمة الواضحة إلى أخرى ملتوية، لا خير فيها. فإن قهرتنا بعض الأساليب القديمة على الالتجاء إليه وجب أن نقتصر عليه فى الوارد، و نحصر أمره فى المسموع من تلك الأساليب، دون أن نتوسع فيها بالمحاكاة و القياس، إذ لا ضرورة تلجئنا إلى محاكاتها. و هذا الرأى السديد لبعض النحاة الأقدمين [١] تستريح النفس إليه وحده، و لا فرق فيه بين العطف على خبر «ليس» أو «ما» أو غيرهما من الأخبار التى تزاد فى أولها الباء جوازا [٢] ...
مثال آخر:
ما المحسن منانا بإحسانه. كلمة: «منانا» -خبر «ما» منصوبة، و يجوز أن تزاد «باء» الجر فى خبر: «ما» الحجازية على الوجه المشروح فى زيادتها- فيقال: ما المحسن بمنان بإحسانه. فتكون كلمة: «منان» مجرورة فى الظاهر بالباء الزائدة، و منصوبة المحل، لأنها خبر «ما» ؛ فإذا عطفنا على هذا الخبر المجرور كلمة أخرى [٣] ، جاز فى المعطوف إما الجر تبعا للخبر المجرور لفظه، و إما النصب أيضا تبعا للخبر المنصوب محله؛ فيقال ما المحسن بمنان و ذاكر إحسانه أو: «ذاكرا» إحسانه؛ بجر كلمة: «ذاكرا» ، أو نصبها.
فإذا لم تكن «باء» الجر الزائدة مذكورة فى أول الخبر فكيف نضبط
[١] و قد تردد فى مراجع و أبواب مختلفة، منها شرح الأشمونى، آخر باب حروف الجر، و منها كتاب تنزيل الآيات، شرح شواهد الكشاف ص ١٦ عند بيت الشاعر:
مشائيم، ليسوا مصلحين عشيرة # و لا ناعب إلا بيين غرابها
حيث عطف: «ناعب» بالجر على: «مصلحين بتوهم أو المعطوف عليه مجرور بالباء، و أن التقدير بمصلحين و أيضا ورد هذا البيت و معه آخر فى «الكامل للمبرد» جـ ١ ص ٢٧٩ للاستشهاد بكل منهما على الحكم السالف.
[٢] و الكلام على هذا النوع من الجر يذكرنا نوعا آخر من الجر يجب التشدد فى إهماله، و فى ترك استعماله و الاقتصار فيه على المسموع وحده، لوضوح فساده و إفساده؛ هو الجر بالمجاورة. و سيجىء تفصيل الكلام عليه (فى حـ ٢ ص ٢٧٢ م ٨٢ و فى ص ٣٣٨ م ٨٩ باب حروف الجر) (و فى جـ ٢ ص ٨ م ٩٣ باب الإضافة) .
[٣] و كان حرف العطف غير: «لكن» و «بل» ... (راجع ص ٥٤٠ السابقة... ) .