النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٣٥ - المسألة ٤٧
كلام منفى لم يجز اقترانه بإلا) . و من الأمثلة: ليس الخطيب عاجزا؛ فقد انصب النفى على «العجز» و زالت نسبته الراجعة إلى الخطيب. فإذا أردنا إبطال النفى عن الخبر، و منع أثره فى معناه-أتينا قبله بكلمة: «إلا» فقلنا: ليس الخطيب إلا عاجزا، لأنها تنقض النفى، و توقف أثره؛ فيصير المراد معها هو الحكم على الخطيب بالعجز، و هو حكم يناقض السابق. أما فى مثل: ليس المريض يعيج بالدواء، فلا يصح اقتران الخبر بإلا؛ فلا يقال: ليس المريض إلا يعيج بالدواء. فشأن «ليس» كشأن «كان» المسبوقة بالنفى؛ حيث لا يصح أن يقال فيها: ما كان المريض إلا يعيج بالدواء؛ كما سبق.
فإن كان الفعل الناسخ هو: «زال» أو إحدى أخواتها الثلاث، (و كلها لا بد أن يسبقه [١] نفى، أو شبهه) -فخبرها مثبت غير منفى؛ لأن كل واحدة منها تفيد النفى و قبلها نفى، و نفى النفى إثبات؛ فمثل: ما زال المال قوة، فيه إثبات لاستمرار القوة للمال، و حكم موجب بنسبتها إليه، يمتد من الماضى إلى وقت الكلام؛ فالنفى: فى كلمة: «زال» و أخواتها مسلوب و منقوض بالنفى الذى قبلها مباشرة. و المعنى فى جملتها موجب، و خبرها مثبت، كما قلنا-فلا يقترن بكلمة «إلا» ؛ فلا يصح ما زال المال إلا قوة؛ فشأنه شأن خبر: «كان» الخالية من نفى قبلها؛ فكلا الخبرين موجب (مثبت) .
و إذا كان خبر الناسخ منفيّا على الوجه السالف جاز أن يدخل عليه حرف الجر الزائد: «الباء» نحو: ليس الحلم ببلادة [٢] ، و ما كان الحليم ببليد يحتمل المهانة، أى: ليس الحلم بلادة، و ما كان الحليم بليدا؛ يحتمل المهانة.
فزيدت «باء الجر» فى أول الخبر المنفى فى المثالين-و أشباههما-لغرض معنوى؛ هو: توكيد النفى و تقويته [٣] .
[١] انظر رقم ٤ من هامش ص ٥٠٩.
[٢] و تعرب كما يأتى: «الباء» حرف جر زائد. «بلادة» مجرورة بحرف الجر الزائد و علامة جرها، الكسرة فى محل نصب؛ لأنها خبر «ليس» أيضا؛ فكلمة: «بلادة» مجرورة فى اللفظ بحرف الجر الزائد، و منصوبة محلا أو تقديرا؛ لأنها خبر أيضا. و الجار الزائد مع مجروره لا يتعلقان بشىء.
[٣] ذلك أن باء الجر لا تزاد هنا إلا فى الخبر المنفى؛ فوجودها دليل على وجود النفى و إعلان عنه، و إزالة شبهة غيابه. فكأن النفى بها قد تكرر. هذا و قد سبق فى أول الكتاب فائدة الحرف الزائد ص ٦٥.