النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٣٣ - زيادة و تفصيل
المبتدأ. و قد يكون الخبر جارّا مع مجروره؛ نحو، النشاط فى السباحة. السكّر من القصب؛ فالجار مع المجرور فى محل رفع خبر المبتدأ. و منه قول الشاعر:
للعيد يوم من الأيام منتظر # و الناس فى كل يوم منك فى عيد
و يشترط فى الظرف الواقع خبرا، و فى الجار مع المجرور كذلك-أن يكون تامّا، أى: يحصل بالإخبار به فائدة بمجرد ذكره. و يكمل به المعنى المطلوب
قالضمير منه إلى شبه الجملة-كما قلنا-كما أن الكون الخاص يجب ذكره حتما لعدم وجود ما يدل عليه عند حذفه؛ فإن وجدت قرينة تدل عليه و تعينه صح حذفه، مثل: الفارس فوق الحصان، أى راكب.
فوق الحصان، و من لى بفلان؟أى: من يتكفل لى بفلان. و البحترى من الشعراء؛ أى: معدود منهم.
و مثل قوله تعالى فى القصاص: «اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ» على تقدير: «مقتول» لأن تقدير الكون العام فى الأمثلة السالفة لا يؤدى المعنى المراد. و المتعلق الخاص المحذوف لوجود قرينة تدل عليه هو عندهم الذى يعرب خبرا-كما سبق-لا شبه الجملة. و بالرغم من حذفه فإنه لا يخرج الظرف-فى رأيهم-عن اعتباره لغوا، و لا يتنافى مع ما هو ثابت له من أنه: «كون خاص» ؛ فالمعول عليه عندهم فى الحكم باللغو راجع إلى خصوص الكون، و أنه ليس بعام؛ سواء ذكر الكون الخاص أم حذف، و فى الاستقرار إلى عموم الكون، و أنه ليس بخاص، و ينتقلون بعد هذا إلى تقسيمات، و تفريعات شاقة، و أدلة جدلية مرهقة فى إثبات تلك الأقسام و الفروع، و فى المفاضلة بين أن يكون المتعلق المحذوف فعلا أو اسما..
و غير هذا مما لا حاجة إليه اليوم، و لا ضرر من إهماله. بل الخير فى إهماله و فى ترك ما نقلناه عنهم، و ما لم ننقله، و فى الاقتصار على إعراب الظرف و الجار الأصلى مع المجرور خبرا فى محل رفع، كما شرحنا أول هذا الموضوع و كما هو رأى بعض السابقين. و لا داعى للتشدد فى البحث عن العامل مع عدم الحاجة إليه؛ و لا فى الخضوع له، و ركوب الشطط لإظهار آثاره؛ لأن المعنى جلى كامل بدونه. إذ ذلك التشدد و ذلك الخضوع هو الجانب المعيب فى نظرية العامل النافعة الجميلة. و إذا أخذنا بهذا الرأى السهل اليسير كان تسمية الظروف و الجار مع مجروره: شبه جملة، إنما هى من قبيل الإبقاء على التسمية القديمة، و مراعاة أصلها السابق، أو لأن كلا من الظرف و الجار الأصلى مع مجروره ليس مفردا فى الحقيقة بل هو مركب؛ إذ يحمل معه الضمير المستتر الذى انتقل إليه من المحذوف على الوجه الذى بسطناه. و إتماما للبحث، و إنصافا للنحاة نذكر أن رأيهم فى وجوب تعلق «شبه الجملة» سديد، و أن حجتهم فى تحتيم ذلك التعلق قوية-و إيضاحها فى جـ ٢ ص ٢٠٣ م ٧٨ و ص ٣٤٣ و ما بعدها م ٨٩ و تتخلص هنا فى أن الخبر هو المبتدأ معنى و كذلك المبتدأ هو الخبر معنى؛ كما فى مثل: «على الخطيب» فالخطيب فى هذه الجملة هو على، و على هو الخطيب، فكلاهما من جهة المعنى هو الآخر، و كذلك الشأن فى كل مبتدأ و خبر على النسق السالف الوارد فى الاستعمال العربى. فلو أردنا بغير تعلق تطبيق هذا الضابط العام الصحيح على الخبر شبه الجملة لم ينطبق، بل يفسد المعنى معه و لا يصلحه إلا التعلق على الوجه الذى يذكره النحاة؛ ففى مثل:
على أمامك لا يصح أن يكون الظرف (أمام) هو على و لا أن يكون على هو: «الأمام» نفسه إذا المعنى فى كل منهما مخالف للآخر تمام المخالفة و لا يصلحه إلا أن يكون الظرف متعلقا بشىء آخر غير المبتدأ؛ هو «كائن» ، أو «موجود» أو نحوهما.
و ما يقال فى الظرف يقال فى الجار الأصلى مع المجرور إذ لا فائدة منهما الا بمتعلقهما: كالظرف بنوعيه فإنه لا يستقل بنفسه فى إحداث معنى جديد، لأنه وعاء-كالوعاء الحسى-لا بد له من مظروف، (أى:
من شىء يقع فيه) و هذا المظروف هو ما يسمى: «المتعلق» و هو الذى لا بد أن يقع فى الظرف، و إلا فسد المعنى بغيره تماما. و قد أوضحنا هذا بإسهاب و تفصيل فى مكانه المناسب-جـ ٢ ص ٢٠٣ م ٧٨ باب الظرف و كذلك فى ص ٣٤٣ و ما بعدها م ٨٩ و استيفاء الموضوع على الوجه الحميد يقتضى الرجوع إلى ذنبك الموضعين.