النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٣١ - زيادة و تفصيل
القسم الثالث-الخبر شبه الجملة:
يريد النحاة بشبه الجملة هنا أمران [١] ؛ أحدهما: الظرف بنوعيه الزمانىّ و المكانىّ، و الآخر: حرف الجر مع مجروره. فالخبر قد يكون ظرف زمان؛ نحو:
الرحلة «يوم» الخميس. و الرجوع «ليلة» السبت. و قد يكون ظرف مكان؛ نحو: «الحديقة «أمام» البيت، و النهر «وراءه» ؛ فكلمة «يوم» . و «ليلة» و ما يشبههما ظرف زمان، منصوب، فى محل رفع [٢] ؛ لأنه خبر المبتدأ. و كلمة
[١] أما فى اسم الموصول فشبه الجملة ثلاثة أشياء سردنا تفصيلها فى ص ٣٤٧ و سيجىء كلام خاص بالجار مع مجروره، فى باب الحال جـ ٢ ص ١٠٠ م ٦٨.
[٢] و هذا رأى حسن بارع-أشرنا إليه فى رقم ١ من هامش ص ٣٤٧-سجله شارح كتاب المفصل فى جـ ١ ص ٩٠، ٩١ عند الكلام على أقسام الخبر. و إنما كان فى محل رفع لأن الأصل أن يكون الخبر مفردا مرفوعا، إذ المفرد «بسيط» و «البسيط» أصل المركب؛ فجاء الظرف و الجار مع المجرور و حلا فى محل ذلك الأصل؛ فمجيئها طارئ عرضى و المسألة شكلية، بحتة، و لا أثر لها من الناحية العملية التحقيقية: فلو قلنا: «ظرف منصوب خبر المبتدأ» أو جار مع مجروره خبر المبتدأ، من غير أن نزيد شيئا-ما حصل قصور، و لا وقعنا فى خطأ. لكن قد يكون الأخذ بالإعراب الأول أنسب؛ لأنه أوضح ظهورا، لمراعاة الأصل، و الغالب فيه.. و إليك النص الذى سجله شارح المفصل:
(اعلم أنك لما حذفت الخبر الذى هو: «استقر» أو «مستقر» ، و أقمت الظرف مقامه-على ما ذكرنا-صار الظرف هو الخبر، و المعاملة معه (أى: أن الآثار اللفظية و المعنوية فى الجملة قد انتقلت إليه) و هو مغاير المبتدأ فى المعنى، و نقلت الضمير الذى كان فى الاستقرار إلى الظرف، و صار مرتفعا به، كما كان مرتفعا بالاستقرار، ثم حذفت الاستقرار، و صار أصلا مرفوضا لا يجوز إظهاره؛ للاستغناء عنه بالظرف. و قد صرح ابن جنى بجواز إظهاره. و القول عندى أنه بعد حذف الخبر الذى هو الاستقرار، و نقل الضمير إلى الظرف. لا يجوز إظهار ذلك المحذوف؛ لأنه قد صار مرفوضا.
فإن ذكرته أولا و قلت: زيد استقر عندك-لم يمنع منه مانع.
«و اعلم أنك إذا قلت: «زيد عندك» فعندك ظرف منصوب بالاستقرار المحذوف؛ سواء أكان فعلا أم اسما، و فيه ضمير مرفوع، و الظرف و ذلك الضمير فى محل رفع بأنه خبر المبتدأ. و إذا قلت: «زيد فى الدار» أو: «من الكرام» فالجار و المجرور فى موضع نصب بالاستقرار، على حد انتصاب «عندك» إذا قلت: زيد «عندك» . ثم الجار و المجرور و الضمير المنتقل فى موضع رفع بأنه خبر المبتدأ.. ‘‘) اه
هذا، و هو يشير بقوله (الجار و المجرور فى موضع نصب بالاستقرار... إلخ) إلى ما هو معروف فى الاصطلاح النحوى من أن المجرور أصله مفعول به فى المعنى، و حرف الجر أداة لتوصيل أثر الفعل إليه.
فاعتبار الظرف هو الخبر من غير أن يتعلق بشىء آخر و كذلك اعتبار الجار مع مجروره هو الخبر-مذهب قديم من عدة مذاهب (سجلتها المراجع النحوية؛ كالمفصل و الصبان) و قد سجلنا رأى صاحب المفصل. و الأخذ به يريحنا من بحوث جدلية مضنية، و تقسيمات متعددة؛ لا نفع لها اليوم و ليس فيها إلا العناء العقلى الذى تضيق به الناشئة. و سنعرض لبعض تلك البحوث بقليل من التفصيل؛ لا للأخذ بها، و لكن ليقف عندها المتخصصون وقفة الفاحص.
شبه الجملة-فى هذا الباب-هو الظرف و الجار مع مجروره. و سمى «شبه جملة» ، لأن كلا منهما قد يدل على جملة و معناها. و أساس هذا التعليل عندهم أن الظرف أو الجار الأصلى مع مجروره ليس هو الخبر فى الحقيقة، و إنما الخبر الحقيقى لفظ آخر محذوف، يتعلق به الظرف، و الجار الأصلى مع المجرور، إذ لا بد أن يتعلقا بفعل أى فعل (لا فرق بين المتعدى و اللازم، و الجامد و المتصرف، و التام و الناقص