النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٢٧ - إعراب ضمير الفصل
و من أمثلة ذلك:
١-أن يتحدث فريق من الأصدقاء عن غنى افتقر، فيقول أحدهم:
و ارحمتاه!!لم يبق من ماله شىء؛ فيقول الثانى: حسبه أن أنفقه فى سبيل الخير.
و يقول الثالث: من كان يظن أن هذه القناطير تنفد من غير أن يدخر منها شيئا يصونه من ذل الفاقة، و جحيم البؤس؟فيقول الرابع متأوها: يا رفاقى، «هو:
الزمان غدار، و هى: الأيام خائنة» .
فالغرض الذي يرمى إليه الرابع من كلامه: بيان غدر الزمان، و خيانة الأيام.
أو: تقلب الزمان. و هو غرض هام؛ لما يتضمن من عبرة و موعظة و التماس عذر للصديق. و قد أراد أن يدل على أهميته، و يوجه النفس إليه؛ فمهد له بالضمير؛ «هو» و «هى» من غير أن يسبقه شىء يصلح مرجعا؛ فيثير الضمير بإبهامه هذا، و غموضه، شوق النفس، و تطلعها إلى ما يجىء بعده. و تتجه بشغف إلى ما سيذكر. و لن يزيل غموض الضمير و يوضح المراد منه إلا الجملة التى بعده؛ فهى التى تفسره؛ و تجليه.
فهو رمز لها؛ أو كناية عنها، و هى المفسرة للرمز، المبينة لمدلول الكناية.
و الرمز و مفسره، و الكناية و مدلولها-من حيث المعنى شىء واحد (و لذلك يعرب الضمير هنا مبتدأ، و تعرب الجملة خبرا عنه من غير رابط؛ لا تحادهما فى المعنى) . و مثل ما سبق نقول فى بيت الشاعر:
هو: الدّهر ميلاد، فشغل، فمأتم # فذكر كما أبقى الصّدى ذاهب الصوت
٢-أن تسير فى حديقة، فاتنة، بهيجة؛ فتستهويك؛ فتقول: «إنه-الزهر ساحر» «إنها-الرياحين رائعة» ، أو: «إنه-يسحرنى الزهر» «إنها-تروعنى الرياحين» . فقد كان فى نفسك معنى هام، و خاطر جليل-هو: «سحر الزهر» ، أو: «روعة الرياحين» . فأردت التعبير عنه بجملة اسمية أو فعلية، و لكنك لم تذكر الجملة إلا بعد أن قدمت لها بالضمير (إنه... إنها... ) لما فى الضمير-و لا سيما الذى لم يسبقه مرجعه-من إبهام و إيحاء مركزين؛ يثيران فى النفس شوقا و تطلعا إلى استيضاح المبهم، و تفصيل المركّز. و هذا عمل الجملة بعده، فإنها تزيل إبهامه، و تفسر إيحاءه، و تبسط تركيزه: فتقبل عليها النفس، متشوقة، متفتحة.
٣-يشتد البرد فى إحدى الليالى، و تعصف الريح؛ فيقول أحد الناس:
هذا برد قارس، لم أشهده قبل اليوم فى بلادنا، فيقول آخر: لقد شهدت مثله