البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٦٩ - الكهف آيه ٩٨-٨٣
وَ مَرَّ ذُو الْقَرْنَيْنِ بَعْدَهُ،فَأَخْطَأُوا الْوَادِيَ،وَ سَلَكُوا تِلْكَ الظُّلْمَةَ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً،ثُمَّ خَرَجُوا بِضَوْءٍ لَيْسَ بِضَوْءِ نَهَارٍ وَ لاَ شَمْسٍ وَ لاَ قَمَرٍ،وَ لَكِنَّهُ نُورٌ،فَخَرَجُوا إِلَى أَرْضٍ حَمْرَاءَ وَ رَمْلَةِ خَشْخَاشَةٍ [١] فَرِكَةٍ [٢] كَأَنَّ حَصَاهَا اللُّؤْلُؤُ،فَإِذَا هُوَ بِقَصْرٍ مَبْنِيٍّ عَلَى طُولِ فَرْسَخٍ،فَجَاءَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى الْبَابِ فَعَسْكَرَ عَلَيْهِ،ثُمَّ تَوَجَّهَ بِوَجْهِهِ وَحْدَهُ إِلَى الْقَصْرِ،فَإِذَا طَائِرٌ وَ إِذَا حَدِيدَةٌ طَوِيلَةٌ قَدْ وُضِعَ طَرَفَاهَا عَلَى جَانِبَيِ الْقَصْرِ،وَ الطَّيْرُ الْأَسْوَدُ مُعَلَّقٌ [٣] فِي تِلْكَ الْحَدِيدَةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ مَزْمُومٌ [٤]،كَأَنَّهُ الْخُطَّافُ [٥] أَوْ صُورَةُ الْخُطَّافِ أَوْ شَبِيهٌ بِالْخُطَّافِ،أَوْ هُوَ خُطَّافٌ،فَلَمَّا سَمِعَ خَشْخَشَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ،قَالَ:مَنْ هَذَا؟قَالَ:أَنَا ذُو الْقَرْنَيْنِ،فَقَالَ الطَّائِرُ:يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ،أَ مَا كَفَاكَ مَا وَرَاءَكَ حَتَّى وَصَلْتَ إِلَى حَدِّ بَابِي هَذَا؟فَفَرِقَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَرَقاً شَدِيداً،فَقَالَ:يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ،لاَ تَخَفْ وَ أَخْبِرْنِي.قَالَ سَلْ قَالَ:هَلْ كَثُرَ بُنْيَانُ الْآجُرِّ وَ الْجِصِّ فِي الْأَرْضِ؟قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:فَانْتَفَضَ الطَّيْرُ،وَ امْتَلَأَ حَتَّى مَلَأَ مِنَ الْحَدِيدَةِ ثُلُثَهَا،فَفَرِقَ ذُو الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ:لاَ تَخَفْ،وَ أَخْبِرْنِي.قَالَ:سَلْ.قَالَ:هَلْ كَثُرَتِ الْمَعَازِفُ؟قَالَ:نَعَمْ.قَالَ:فَانْتَفَضَ الطَّيْرُ وَ امْتَلَأَ حَتَّى امْتَلَأَ مِنَ الْحَدِيدَةِ ثُلُثَيْهَا،فَفَرِقَ ذُو الْقَرْنَيْنِ،فَقَالَ:لاَ تَخَفْ،وَ أَخْبِرْنِي.قَالَ:سَلْ.قَالَ:هَلِ ارْتَكَبَ النَّاسُ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي الْأَرْضِ؟قَالَ:نَعَمْ.فَانْتَفَضَ انْتِفَاضَةً وَ انْتَفَخَ،فَسَدَّ مَا بَيْنَ جِدَارَيِ الْقَصْرِ،قَالَ:فَامْتَلَأَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ فَرَقاً مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ:لاَ تَخَفْ وَ أَخْبِرْنِي.قَالَ:سَلْ:قَالَ:هَلْ تَرَكَ النَّاسُ شَهَادَةَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟قَالَ:لاَ فَانْضَمَّ ثُلُثُهُ،ثُمَّ قَالَ:يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ،لاَ تَخَفْ وَ أَخْبِرْنِي.قَالَ:سَلْ.قَالَ:هَلْ تَرَكَ النَّاسُ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ؟قَالَ:لاَ.
قَالَ:فَانْضَمَّ حَتَّى عَادَ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى،فَإِذَا هُوَ بِدَرَجَةٍ مُدَرَّجَةٍ إِلَى أَعْلَى الْقَصْرِ،فَقَالَ الطَّيْرُ:يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ، اسْلُكْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ؛فَسَلَكَهَا وَ هُوَ خَائِفٌ لاَ يَدْرِي مَا يَهْجُمُ عَلَيْهِ،حَتَّى اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا،فَإِذَا هُوَ بِسَطْحٍ مَمْدُودٍ مَدَّ الْبَصَرِ،وَ إِذَا رَجُلٌ شَابٌّ أَبْيَضُ مُضِيءُ الْوَجْهِ،عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ،كَأَنَّهُ رَجُلٌ،أَوْ فِي صُورَةِ رَجُلٍ،أَوْ شَبِيهٌ بِالرَّجُلِ، أَوْ هُوَ رَجُلٌ،وَ إِذَا هُوَ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا،وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى فِيهِ،فَلَمَّا سَمِعَ خَشْخَشَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ،قَالَ:
مَنْ هَذَا؟قَالَ:أَنَا ذُو الْقَرْنَيْنِ.قَالَ:يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ،مَا كَفَاكَ مَا وَرَاءَكَ حَتَّى وَصَلْتَ إِلَيَّ؟قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ:مَا لِي أَرَاكَ وَاضِعاً يَدَكَ عَلَى فِيكَ؟قَالَ:يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ،أَنَا صَاحِبُ الصُّورِ،وَ إِنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ،وَ أَنَا أَنْتَظِرُ أَنْ أُؤْمَرَ بِالنَّفْخِ فَأَنْفُخَ؛ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ،فَتَنَاوَلَ حَجَراً فَرَمَى بِهِ إِلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ،كَأَنَّهُ حَجَرٌ،أَوْ شِبْهُ حَجَرٍ،أَوْ هُوَ حَجَرٌ،فَقَالَ:
يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ،خُذْهَا،فَإِنْ جَاعَ جُعْتَ،وَ إِنْ شَبِعَ شَبِعْتَ،فَارْجِعْ.
فَرَجَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِذَلِكَ الْحَجَرِ،حَتَّى خَرَجَ بِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ،فَأَخْبَرَهُمْ بِالطَّيْرِ وَ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ،وَ مَا قَالَ لَهُ،
[١] الخَشْخاش:كلّ شيء يابس إذا حكّ بعضه ببعض صوت.«المعجم الوسيط ١:٢٣٥».
[٢] قال المجلسي رحمة اللّه:فركة:أي لينّة.بحيث يمكن فركها باليد،البحار ١٢:٢٠٦.
[٣] في«ط»:معلق بأنفه.
[٤] زمّ الشيء:شدّه«لسان العرب-زمم-١٢:٢٧٢».
[٥] الخطّاف:السّنونو،و هو ضرب من الطيور القواطع.«المعجم الوسيط-خلف-١:٢٤٥».