البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٣٦ - الأنبياء آيه ٩٠-٨٩
حَتَّى آتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَأَعْبُدَ اللَّهَ مَعَ الْأَحْبَارِ وَ الرُّهْبَانِ.فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ:حَتَّى يَأْتِيَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ أَسْتَأْمِرَهُ [١] فِي ذَلِكَ.
فَلَمَّا دَخَلَ زَكَرِيَّا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أَخْبَرَتْهُ بِمَقَالَةِ يَحْيَى،فَقَالَ لَهُ زَكَرِيَّا:يَا بُنَيَّ،مَا يَدْعُوكَ إِلَى هَذَا،وَ إِنَّمَا أَنْتَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ؟فَقَالَ لَهُ:يَا أَبَتِ،أَ مَا رَأَيْتَ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ سِنّاً مِنِّي وَ قَدْ أَدْرَكَهُ [٢] الْمَوْتُ؟قَالَ:بَلَى،ثُمَّ قَالَ لِأُمِّهِ:اِنْسِجِي لَهُ مِدْرَعَةً مِنْ شَعْرٍ،وَ بُرْنُساً مِنْ صُوفٍ.فَفَعَلَتْ،فَتَدَرَّعَ الْمِدْرَعَةَ عَلَى بَدَنِهِ،وَ وَضَعَ الْبُرْنُسَ عَلَى رَأْسِهِ،ثُمَّ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ،فَأَقْبَلَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَعَ الْأَحْبَارِ حَتَّى أَكَلَتْ مِدْرَعَةُ الشَّعْرِ لَحْمَهُ.
فَنَظَرَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى مَا قَدْ نَحَلَ مِنْ جِسْمِهِ،فَبَكَى،فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ،يَا يَحْيَى،أَ تَبْكِي مِمَّا قَدْ نَحَلَ مِنْ جِسْمِكَ!وَ عِزَّتِي وَ جَلاَلِي لَوِ اطَّلَعْتَ إِلَى النَّارِ اطِّلاَعَةً لَتَدَرَّعْتَ مِدْرَعَةَ الْحَدِيدِ فَضْلاً عَنِ الْمَنْسُوجِ [٣].فَبَكَى حَتَّى أَكَلَتِ الدُّمُوعُ لَحْمَ خَدَّيْهِ،وَ بَدَتْ لِلنَّاظِرِينَ أَضْرَاسُهُ،فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهُ،فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ،وَ أَقْبَلَ زَكَرِيَّا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ اجْتَمَعَ الْأَحْبَارُ وَ الرُّهْبَانُ فَأَخْبَرُوهُ بِذَهَابِ لَحْمِ خَدَّيْهِ،فَقَالَ:مَا شَعَرْتُ بِذَلِكَ.
فَقَالَ زَكَرِيَّا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):يَا بُنَيَّ،مَا يَدْعُوكَ إِلَى هَذَا؟إِنَّمَا سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَهَبَكَ لِي لِتَقَرَّ بِكَ عَيْنِي.قَالَ:أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ،يَا أَبَتِ.قَالَ:وَ مَتَى ذَلِكَ،يَا بُنَيَّ.قَالَ:أَ لَسْتَ الْقَائِلَ:إِنَّ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ لَعَقَبَةً لاَ يَجُوزُهَا إِلاَّ الْبَكَّاءُونَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ؟قَالَ:بَلَى؟فَجِدَّ وَ اجْتَهِدْ،وَ شَأْنُكَ غَيْرُ شَأْنِي.
فَقَامَ يَحْيَى فَنَفَضَ مِدْرَعَتَهُ،فَأَخَذَتْهُ أُمُّهُ،فَقَالَتْ:أَ تَأْذَنُ لِي-يَا بُنَيَّ-أَنْ أَتَّخِذَ لَكَ قِطْعَتَيْ لُبُودٍ تُوَارِيَانِ أَضْرَاسَكَ،وَ تُنَشِّفَانِ دُمُوعَكَ؟قَالَ لَهَا:شَأْنَكِ،فَاتَّخَذَتْ لَهُ قِطْعَتَيْ لُبُودٍ تُوَارِيَانِ أَضْرَاسَهُ،وَ تُنَشِّفَانِ دُمُوعَهُ،فَبَكَى حَتَّى ابْتَلَّتَا مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ.فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ،ثُمَّ أَخَذَهُمَا فَعَصَرَهُمَا،فَتَحَدَّرَتِ الدُّمُوعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ،فَنَظَرَ زَكَرِيَّا إِلَى ابْنِهِ،وَ إِلَى دُمُوعِ عَيْنَيْهِ،فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ،فَقَالَ:اَللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا ابْنِي،وَ هَذِهِ دُمُوعُ عَيْنَيْهِ،وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وَ كَانَ زَكَرِيَّا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعِظَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَ شِمَالاً،فَإِنْ رَأَى يَحْيَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لَمْ يَذْكُرْ جَنَّةً وَ لاَ نَاراً،فَجَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ يَعِظُ بَنِي إِسْرَائِيلَ،وَ أَقْبَلَ يَحْيَى وَ قَدْ لَفَّ رَأْسَهُ بِعَبَاءَةٍ،فَجَلَسَ فِي غُمَارِ النَّاسِ، وَ الْتَفَتَ زَكَرِيَّا يَمِيناً وَ شِمَالاً فَلَمْ يَرَ يَحْيَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَأَنْشَأَ يَقُولُ:حَدَّثَنِي حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى:أَنَّ فِي جَهَنَّمَ جَبَلاً يُقَالُ لَهُ السَّكْرَانُ،وَ فِي أَصْلِ ذَلِكَ الْجَبَلِ وَادٍ يُقَالُ لَهُ الْغَضْبَانُ،لِغَضَبِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى،فِي ذَلِكَ الْوَادِي جُبٌّ قَامَتُهُ مِائَةُ عَامٍ،فِي ذَلِكَ الْجُبِّ تَوَابِيتُ مِنْ نَارٍ،فِي تِلْكَ التَّوَابِيتِ صَنَادِيقُ مِنْ نَارٍ،وَ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ، وَ سَلاَسِلُ مِنْ نَارٍ،وَ أَغْلاَلٌ مِنْ نَارٍ.
فَرَفَعَ يَحْيَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)رَأْسَهُ،فَقَالَ: وَا غَفْلَتَاهْ عَنِ(السَّكْرَانِ).ثُمَّ أَقْبَلَ هَائِماً عَلَى وَجْهِهِ،فَقَامَ زَكَرِيَّا(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مِنْ مَجْلِسِهِ،فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ يَحْيَى،فَقَالَ لَهَا:يَا أُمَّ يَحْيَى،قُومِي فَاطْلُبِي يَحْيَى،فَإِنِّي قَدْ تَخَوَّفْتُ أَنْ لاَ نَرَاهُ إِلاَّ وَ قَدْ ذَاقَ الْمَوْتَ.فَقَامَتْ،فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ حَتَّى مَرَّتْ بِفِتْيَانٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،فَقَالُوا لَهَا:يَا أُمَّ يَحْيَى،أَيْنَ تُرِيدِينَ؟
[١] أي أستشيره.
[٢] في«ط»نسخة بدل و المصدر:و قد ذاق.
[٣] في«ج»:المسوح.و هي الألبسة المتّخذة من الشعر.