البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧١٥ - مريم آيه ٥٠-٤٢
فَقَالَ:رَأَيْتُ مَوْلُوداً يُولَدُ فِي أَرْضِنَا هَذِهِ،فَيَكُونُ هَلاَكُنَا عَلَى يَدَيْهِ،وَ لاَ يَلْبَثُ إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى يُحْمَلَ بِهِ فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ نُمْرُودُ،وَ قَالَ:هَلْ حَمَلَتْ بِهِ النِّسَاءُ؟فَقَالَ:لاَ،وَ كَانَ فِيمَا أُوتِيَ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّهُ سَيُحْرَقُ بِالنَّارِ،وَ لَمْ يَكُنْ أُوتِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُنْجِيهِ-قَالَ-فَحَجَبَ النِّسَاءَ عَنِ الرِّجَالِ،فَلَمْ يَتْرُكْ امْرَأَةً إِلاَّ جُعِلْتُ [١] بِالْمَدِينَةِ،حَتَّى لاَ يَخْلُصَ إِلَيْهِنَّ الرِّجَالُ».
قَالَ:«وَ بَاشَرَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ امْرَأَتَهُ [٢] فَحَمَلَتْ بِهِ،فَظَنَّ أَنَّهُ صَاحِبُهُ،فَأَرْسَلَ إِلَى النِّسَاءِ مِنَ الْقَوَابِلِ لاَ يَكُونُ فِي الْبَطْنِ شَيْءٌ إِلاَّ عَلِمْنَ بِهِ،فَنَظَرْنَ إِلَى أُمِّ إِبْرَاهِيمَ،فَأَلْزَمَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا فِي الرَّحِمِ الظَّهْرَ،فَقُلْنَ:مَا نَرَى شَيْئاً فِي بَطْنِهَا.
فَلَمَّا وَضَعَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ بِهِ،أَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَى نُمْرُودَ،فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ:لاَ تَذْهَبْ بِابْنِكَ إِلَى نُمْرُودَ فَيَقْتُلُهُ،دَعْنِي أَذْهَبْ بِهِ إِلَى بَعْضِ الْغِيرَانِ [٣]،أَجْعَلْهُ فِيهِ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ أَجَلُهُ،وَ لاَ تَكُونَ أَنْتَ تَقْتُلُ ابْنَكَ،فَقَالَ لَهَا:
فَاذْهَبِي بِهِ فَذَهَبَتْ بِهِ إِلَى غَارٍ،ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ،ثُمَّ جَعَلَتْ عَلَى بَابِ الْغَارِ صَخْرَةً،ثُمَّ انْصَرَفَتْ عَنْهُ،فَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ رِزْقَهُ فِي إِبْهَامِهِ،فَجَعَلَ يَمَصُّهَا فَيَشْرَبُ لَبَناً،وَ جَعَلَ يَشِبُّ فِي الْيَوْمِ كَمَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي الْجُمْعَةِ،وَ يَشِبُّ فِي الْجُمْعَةِ كَمَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي الشَّهْرِ،وَ يَشِبُّ فِي الشَّهْرِ كَمَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي السَّنَةِ،فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ.
ثُمَّ إِنَّ أُمَّهُ قَالَتْ لِأَبِيهِ:لَوْ أَذِنْتَ لِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَأَرَاهُ،فَعَلْتُ،قَالَ:فَافْعَلِي.فَأَتَتِ الْغَارَ،فَإِذَا هِيَ بِإِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ إِذَا عَيْنَاهُ تَزْهَرَانِ كَأَنَّهُمَا سِرَاجَانِ،فَأَخَذَتْهُ وَ ضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا،وَ أَرْضَعَتْهُ،ثُمَّ انْصَرَفَتْ عَنْهُ، فَسَأَلَهَا أَبُوهُ عَنِ الصَّبِيِّ،فَقَالَتْ لَهُ:قَدْ وَارَيْتُهُ فِي التُّرَابِ،فَمَكَثَتْ تَعْتَلُّ وَ تَخْرُجُ فِي الْحَاجَةِ وَ تَذْهَبُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَتَضُمُّهُ إِلَيْهَا،وَ تُرْضِعُهُ ثُمَّ تَنْصَرِفُ.
فَلَمَّا تَحَرَّكَ أَتَتْهُ أُمُّهُ كَمَا كَانَتْ تَأْتِيهِ،وَ صَنَعَتْ كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ،فَلَمَّا أَرَادَتِ الاِنْصِرَافَ أَخَذَ بِثَوْبِهَا،فَقَالَتْ لَهُ:
مَا لَكَ؟فَقَالَ لَهَا:اِذْهَبِي بِي مَعَكِ،فَقَالَتْ لَهُ:حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أَبَاكَ،فَلَمْ يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي الْغَيْبَةِ مُخْفِياً لِشَخْصِهِ، كَاتِماً لِأَمْرِهِ حَتَّى ظَهَرَ فَصَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ،وَ أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى قُدْرَتَهُ فِيهِ،ثُمَّ غَابَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)الْغَيْبَةَ الثَّانِيَةَ، وَ ذَلِكَ حِينَ نَفَاهُ الطَّاغُوتُ عَنِ الْمِصْرِ،فَقَالَ: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مٰا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسىٰ أَلاّٰ أَكُونَ بِدُعٰاءِ رَبِّي شَقِيًّا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ مٰا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلاًّ جَعَلْنٰا نَبِيًّا* وَ وَهَبْنٰا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنٰا وَ جَعَلْنٰا لَهُمْ لِسٰانَ صِدْقٍ عَلِيًّا يَعْنِي بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)كَانَ قَدْ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ،فَجَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَهُ وَ لِإِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً،فَأَخْبَرَ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِأَنَّ الْقَائِمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)هُوَ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ،وَ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً،وَ أَنَّهُ تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وَ حَيْرَةٌ يَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ،
[١] (إلاّ جعلت)ليس في«ي».
[٢] في المصدر و«ط»نسخة بدل:و وقع أبو إبراهيم على امرأته.
[٣] الغار:كالكهف في الجبل،و الجمع غيران.«الصحاح-غور-٢:٧٧٣».