البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٧٨ - باب في يأجوج و مأجوج
صَالِحٌ،لَمْ يَتَمَالَكْ نَفْسَهُ حَتَّى بَكَى،وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،ثُمَّ عَادَ إِلَى صَلاَتِهِ وَ هُوَ يَبْكِي،فَوَقَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عِنْدَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ،فَقُلْنَا لَهُ:مِمَّ بُكَاؤُكَ؟فَقَالَ صَالِحٌ:«إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) كَانَ يَمُرُّ بِي عِنْدَ كُلِّ غَدَاةٍ،فَيَجْلِسُ،فَتَزْدَادُ عِبَادَتِي بِنَظَرِي إِلَيْهِ،فَقُطِعَ ذَلِكَ مُنْذُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ،فَأَقْلَقَنِي ذَلِكَ»فَتَعَجَّبْنَا مِنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«تُرِيدُونَ أَنْ أُرِيَكُمْ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)»؟فَقُلْنَا:نَعَمْ فَقَامَ وَ نَحْنُ مَعَهُ،فَدَخَلَ بِنَا بُسْتَاناً مَا رَأَيْنَا أَحْسَنَ مِنْهُ،وَ فِيهِ مِنْ جَمِيعِ الْفَوَاكِهِ وَ الْأَعْنَابِ،وَ أَنْهَارُهُ تَجْرِي،وَ الْأَطْيَارُ يَتَجَاوَبْنَ عَلَى الْأَشْجَارِ،فَحِينَ رَأَتْهُ الْأَطْيَارُ،أَتَتْ تُرَفْرِفُ حَوْلَهُ حَتَّى تَوَسَّطْنَا الْبُسْتَانَ،وَ إِذَا سَرِيرٌ عَلَيْهِ شَابٌّ مُلْقًى عَلَى ظَهْرِهِ،وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، فَأَخْرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)الْخَاتَمَ مِنْ جَيْبِهِ وَ جَعَلَهُ فِي إِصْبَعِ سُلَيْمَانَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَنَهَضَ قَائِماً،وَ قَالَ:«السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،وَ وَصِيَّ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،أَنْتَ وَ اللَّهِ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ،وَ الْفَارُوقُ الْأَعْظَمُ،قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكَ،وَ قَدْ خَابَ وَ خَسِرَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْكَ،وَ إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ تَعَالَى بِكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ،فَأُعْطِيتُ ذَلِكَ الْمُلْكَ».
قَالَ سَلْمَانُ:فَلَمَّا سَمِعْنَا كَلاَمَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،لَمْ أَتَمَالَكْ نَفْسِي حَتَّى وَقَعْتُ عَلَى أَقْدَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أُقَبِّلُهَا،وَ حَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى جَزِيلِ عَطَائِهِ،بِهِدَايَتِهِ إِلَى وَلاَيَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)،الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً،وَ فَعَلَ أَصْحَابِي كَمَا فَعَلْتُ،ثُمَّ سَأَلْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):وَ مَا وَرَاءَ قَافٍ؟قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«وَرَاءَهُ مَا لاَ يَصِلُ إِلَيْكُمْ عِلْمُهُ».
فَقُلْنَا:تَعْلَمُ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟فَقَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«عِلْمِي بِمَا وَرَاءَهُ كَعِلْمِي بِحَالِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا»وَ إِنِّي الْحَفِيظُ الشَّهِيدُ عَلَيْهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،وَ كَذَلِكَ الْأَوْصِيَاءُ مِنْ وُلْدِي بَعْدِي».
ثُمَّ قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«إِنِّي لَأَعْرَفُ بِطُرُقِ السَّمَاوَاتِ مِنْ طُرُقِ الْأَرْضِ،نَحْنُ الاِسْمُ الْمَخْزُونُ الْمَكْنُونُ،نَحْنُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي إِذَا سُئِلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَجَابَ،نَحْنُ الْأَسْمَاءُ الْمَكْتُوبَةُ عَلَى الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ وَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ، وَ مِنَّا تَعَلَّمَتِ الْمَلاَئِكَةُ التَّسْبِيحَ وَ التَّقْدِيسَ،وَ التَّوْحِيدَ وَ التَّهْلِيلَ وَ التَّكْبِيرَ،وَ نَحْنُ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَلَقَّاهَا آدَمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مِنْ رَبِّهِ،فَتَابَ عَلَيْهِ».
قَالَ:«أَ تُرِيدُونَ أَنْ أُرِيَكُمْ عَجَباً؟»قُلْنَا:نَعَمْ.قَالَ:«غُضُّوا أَعْيُنَكُمْ»فَفَعَلْنَا،ثُمَّ قَالَ:«افْتَحُوهَا»،فَفَتَحْنَاهَا،فَإِذَا نَحْنُ بِمَدِينَةٍ مَا رَأَيْنَا أَكْبَرَ مِنْهَا،الْأَسْوَاقُ فِيهَا قَائِمَةٌ،وَ فِيهَا أُنَاسٌ مَا رَأَيْنَا أَعْظَمَ مِنْ خَلْقِهِمْ،عَلَى طُولِ النَّخْلِ،قُلْنَا:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،مَنْ هَؤُلاَءِ؟قَالَ:«بَقِيَّةُ قَوْمِ عَادٍ،كُفَّارٌ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى،أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ إِيَّاهُمْ،وَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ وَ أَهْلَهَا أُرِيدُ أَنْ أُهْلِكَهُمْ وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ»، قُلْنَا:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،تُهْلِكُهُمْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؟قَالَ:«لاَ،بَلْ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِمْ»،فَدَنَا مِنْهُمْ،وَ تَرَاءَى لَهُمْ،فَهَمُّوا أَنْ يَقْتُلُوهُ،وَ نَحْنُ نَرَاهُمْ وَ هُمْ يَرَوْنَنَا،ثُمَّ تَبَاعَدَ عَنْهُمْ،وَ دَنَا مِنَّا،ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى صُدُورِنَا،وَ صَعِقَ فِيهِمْ صَعْقَةً،قَالَ سَلْمَانُ:لَقَدْ ظَنَنَّا أَنَّ الْأَرْضَ قَدِ انْقَلَبَتْ،وَ السَّمَاءَ قَدْ سَقَطَتْ وَ أَنَّ الصَّوَاعِقَ مِنْ فِيهِ قَدْ خَرَجَتْ،فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَحَدٌ،قُلْنَا:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،مَا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ؟قَالَ:«هَلَكُوا،وَ صَارُوا كُلُّهُمْ فِي النَّارِ»قُلْنَا:هَذَا مُعْجِزٌ مَا رَأَيْنَا وَ لاَ سَمِعْنَا بِمِثْلِهِ.