البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٦٦ - الكهف آيه ٩٨-٨٣
صَالِحاً وَ اسْمُهُ عَيَّاشٌ،وَ اخْتَارَهُ اللَّهُ وَ ابْتَعَثَهُ إِلَى قَرْنٍ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى فِي نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ،وَ ذَلِكَ بَعْدَ طُوفَانِ نُوحٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ،فَمَاتَ مِنْهَا،ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ،ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى قَرْنٍ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى فِي نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَكَذَّبُوهُ فَضَرَبُوهُ ضَرْبَةً عَلَى قَرْنِهِ الْأَيْسَرِ فَمَاتَ مِنْهَا،ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ، وَ عَوَّضَهُ مِنَ الضَّرْبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى رَأْسِهِ قَرْنَيْنِ فِي مَوْضِعِ الضَّرْبَتَيْنِ أَجْوَفَيْنِ،وَ جَعَلَ عِزَّ مُلْكِهِ آيَةَ نُبُوَّتِهِ فِي قَرْنَيْهِ.
ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا،فَكَشَطَ لَهُ عَنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا،جِبَالِهَا وَ سُهُولِهَا وَ فِجَاجِهَا حَتَّى أَبْصَرَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ،وَ آتَاهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عِلْماً يَعْرِفُ بِهِ الْحَقَّ وَ الْبَاطِلَ،وَ أَيَّدَهُ فِي قَرْنَيْهِ بِكِسْفٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ،ثُمَّ اهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ،وَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:أَنْ سِرْ فِي نَاحِيَةِ غَرْبِ الْأَرْضِ وَ شَرْقِهَا،وَ قَدْ طَوَيْتُ لَكَ الْبِلاَدَ،وَ ذَلَّلْتُ لَكَ الْعِبَادَ،وَ أَرْهَبْتُهُمْ مِنْكَ.
فَسَارَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ،فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ زَأَرَ فِيهَا كَمَا يَزْأَرُ الْأَسَدُ الْمُغْضَبُ،فَيَنْبَعِثُ مِنْ قَرْنَيْهِ ظُلُمَاتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ،وَ صَوَاعِقُ تُهْلِكُ مَنْ نَاوَأَهُ وَ خَالَفَهُ،فَلَمْ يَبْلُغْ مَغْرِبَ الشَّمْسِ حَتَّى دَانَ لَهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ-قَالَ-وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: إِنّٰا مَكَّنّٰا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْنٰاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَسَارَ حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهٰا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ إِلَى قَوْلِهِ أَمّٰا مَنْ ظَلَمَ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ فِي الدُّنْيَا بِعَذَابِ الدُّنْيَا ثُمَّ يُرَدُّ إِلىٰ رَبِّهِ فِي مَرْجِعِهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذٰاباً نُكْراً إِلَى قَوْلِهِ: وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنٰا يُسْراً* ثُمَّ أَتْبَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنَ الشَّمْسِ سَبَباً ».
ثُمَّ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا انْتَهَى مَعَ الشَّمْسِ إِلَى الْعَيْنِ الْحَمِئَةِ [١]،وَجَدَ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِيهَا،وَ مَعَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا بِسَلاَسِلِ الْحَدِيدِ وَ الْكَلاَلِيبِ،يَجُرُّونَهَا مِنْ قَعْرِ الْبَحْرِ فِي قُطْرِ الْأَرْضِ الْأَيْمَنِ كَمَا تَجْرِي السَّفِينَةُ عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ،فَلَمَّا انْتَهَى مَعَهَا إِلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ سَبَباً وَجَدَهٰا تَطْلُعُ عَلىٰ قَوْمٍ إِلَى قَوْلِهِ بِمٰا لَدَيْهِ خُبْراً ».
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَرَدَ عَلَى قَوْمٍ،قَدْ أَحْرَقَتْهُمُ الشَّمْسُ،وَ غَيَّرَتْ أَجْسَادَهُمْ وَ أَلْوَانَهُمْ حَتَّى صَيَّرَتْهُمْ كَالظُّلْمَةِ،ثُمَّ أَتْبَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ سَبَباً فِي نَاحِيَةِ الظُّلْمَةِ: حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمٰا قَوْماً لاٰ يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً* قٰالُوا يٰا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ خَلْفَ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ،وَ هُمْ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ،إِذَا كَانَ إِبَّانُ زُرُوعِنَا وَ ثِمَارِنَا خَرَجُوا عَلَيْنَا مِنْ هَذَيْنِ السَّدَّيْنِ فَرَعَوْا فِي ثِمَارِنَا وَ زُرُوعِنَا،حَتَّى لاَ يُبْقُوا مِنْهَا شَيْئاً فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً نُؤَدِّيهِ إِلَيْكَ فِي كُلِّ عَامٍ عَلىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا إِلَى قَوْلِهِ: زُبَرَ الْحَدِيدِ ».
قَالَ:«فَاحْتُفِرَ لَهُ جَبَلُ حَدِيدٍ،فَقَلَعُوا لَهُ أَمْثَالَ اللَّبِنِ،فَطَرَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ،وَ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ هُوَ أَوَّلَ مَنْ بَنَى بِنَاءً [٢] عَلَى الْأَرْضِ،ثُمَّ جَمَعَ عَلَيْهِ الْحَطَبَ وَ أَلْهَبَ فِيهِ النَّارَ،وَ وَضَعَ عَلَيْهِ الْمَنَافِيخَ،فَنَفَخُوا
[١] في«»و المصدر:الحامية.
[٢] في المصدر:ردما.