موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦ - و كتب ابن أبي بكر إلى معاوية
فلم يلبث ابن أبي بكر شهرا كاملا (إلى منتصف شوال) حتى بعث إلى أولئك المعتزلين الذين كان قيس بن سعد موادعا لهم: إما أن تدخلوا في طاعتنا، و إما أن تخرجوا من بلادنا!
فبعثوا إليه: دعنا حتّى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس و لا تعجل حربنا [١] .
و كتب ابن أبي بكر إلى معاوية:
و كأن محمد بن أبي بكر رأى أن معاوية إنما ينذر عليا عليه السّلام بالحرب بحجّة اتّهامه له و لأمثاله بقتل عثمان، و أنّهم اليوم تحت رعاية علي عليه السّلام و حمايته، فكأنه رأى من المناسب أن يكتب إليه فكتب إليه:
«من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي ابن صخر!سلام على أهل طاعة اللّه ممّن هو مسلّم لأهل ولاية اللّه!أما بعد، فإن اللّه بجلاله و عظمته و سلطانه و قدرته خلق خلقا بلا عنت و لا ضعف في قوّته، و لا حاجة به إلى خلقهم، و لكنّه خلقهم عبيدا، و جعل منهم شقيا و سعيدا و غويا و رشيدا.
ثم اختارهم على علمه: فاصطفى و انتخب منهم محمدا صلّى اللّه عليه و آله فاختصّه برسالته، و اختاره لوحيه، و ائتمنه على أمره، و بعثه رسولا مصدقا لما بين يديه من الكتب، و دليلا على الشرائع، فدعا إلى سبيل ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة.
فكان أوّل من أجاب و أناب و صدّق و وافق و أسلم و سلّم: أخوه و ابن عمّه علي بن أبي طالب. فصدّقه بالغيب المكتوم، و آثره على كل حميم، فوقاه كلّ هول، و واساه بنفسه في كلّ خوف، فحارب حربه و سالم سلمه، و لم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل (الحرج) و مقامات الروع، حتّى برز سابقا لا نظير له في جهاده و لا مقارب له في فعله.
[١] الغارات ١: ٢٥٤.
غ