موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٢ - و استعدّ الإمام لغزو الشام
عباد اللّه!اوصيكم بتقوى اللّه الذي ألبسكم الرّياش و أسبغ عليكم المعاش.
فلو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلّما أو لدفع الموت سبيلا، لكان ذلك سليمان بن داود عليه السّلام الذي سخّر له ملك الجنّ و الإنس مع النبوّة و عظيم الزلفة، فلمّا استوفى طعمته و استكمل مدّته، رمته قسيّ الفناء بنبال الموت، و أصبحت الديار منه خالية و المساكن معطّلة، و ورثها قوم آخرون.
و إنّ لكم في القرون السالفة لعبرة!أين العمالقة و أبناء العمالقة؟!أين الفراعنة و أبناء الفراعنة؟!أين أصحاب مدائن الرسّ الذين قتلوا النبيّين و أطفئوا سنن المرسلين و أحيوا سنن الجبّارين؟!أين الذين ساروا بالجيوش و هزموا بالألوف، و عسكروا العساكر و مدّنوا المدائن؟!ثمّ قال عليه السّلام:
أيّها الناس، إنّي قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أممهم و أدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم، و أدّبتكم بسوطي فلم تستقيموا، و حدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا!للّه أنتم!أ تتوقّعون إماما غيري يطأ بكم الطريق و يرشدكم السبيل؟!
ألا إنّه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا، و أقبل منها ما كان مدبرا، و أزمع الترحال عباد اللّه الأخيار، و باعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى، ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم و هم بصفّين أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص و يشربون الرنق (الكدر) ؟!قد و اللّه لقوا اللّه فوفّاهم اجورهم، و أحلّهم دار الأمن بعد خوفهم.
أين إخواني الذين ركبوا الطريق و مضوا على الحقّ؟!أين عمّار و أين ابن التيهان و أين ذو الشهادتين و أين نظراؤهم من إخوانهم؟!الذين تعاقدوا على المنيّة و ابرد برءوسهم إلى الفجرة!
ثمّ ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة و بكى و أطال البكاء ثمّ قال عليه السّلام: