موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٩ - و إلى معاوية ثانية
و خطبة الإمام لهم:
فلما رأى الإمام عليه السّلام ميمنته قد عادت إلى موقفها و مصافّها، و كشفوا من بإزائهم بل ضاربوهم في مواقفهم و مراكزهم، عاد حتّى انتهى إليهم و خطبهم فقال لهم:
إني قد رأيت جولتكم و انحيازكم عن صفوفكم يحوزكم الجفاة الطّغام و أعراب أهل الشام!و أنتم لهاميم العرب و السنام الأعظم، و عمّار الليل بتلاوة القرآن!و أهل دعوة الحق إذ ضلّ الخاطئون. فلولا إقبالكم بعد إدباركم، و كرّكم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولّي دبره يوم الزحف، و كنتم فيما أرى من الهالكين!و لقد هوّن عليّ بعض وجدي و شفى بعض أحاح (غيظ) نفسي: أنّي رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم، و أزلتموهم عن مصافّهم كما أزالوكم، تحوزونهم بالسيوف ليركب أوّلهم آخرهم كالإبل المطّردة إليهم، فالآن فاصبروا، انزلت عليكم السكينة، و ثبّتكم اللّه باليقين. و ليعلم المنهزم أنه مسخط لربّه و موبق نفسه، و في الفرار موجدة اللّه عليه و الذلّ اللازم و العار الباقي، و اعتصار الفيء من يده و فساد العيش، و أن الفار لا يزيد الفرار في عمره و لا يرضي ربّه. فموت الرجل محقّا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بها و الإقرار عليها [١] .
و إلى معاوية ثانية:
و كان معاوية أمر فاقيمت له قبة كرباس (قماش) عظيمة جلس تحتها [٢] و قد أوقف على رأسه رجلا قائما رافعا على رأسه ترسا مذهّبا يستره به عن الشمس:
و كان في خيل عظيمة من أصحابه عليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، و كان يعدّه ولدا له!
[١] وقعة صفين: ٢٥٦.
[٢] وقعة صفين: ٢٣٣-٢٣٤، و الكرباس معرّب عن الفارسية: كارباش: قماش الأعمال.