موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٤ - و واقفوهم عند المذار
و كان زياد رجلا رفيقا مجرّبا فقال له: قد ترى ما بنا من النصب و اللغوب، و الذي جئنا به لا يصلح له الكلام علانية على رءوس أصحابك، و لكن انزلوا و ننزل ثمّ نخلو فنتذاكر أمرنا و ننظر فيه، فإن رأيت فيما جئنا له حظّا لنفسك، قبلته، و إن رأيت فيما أسمع منك أمرا أرجو فيه العافية لنا و لك لم أردده عليك.
فقبل بذلك الخرّيت، فأقبل زياد على أصحابه و قال لهم: انزلوا على الماء، فأقبل من معه على الماء حتّى انتهو إليه فنزلوا به و تفرّقوا و تحلّقوا سبعة و ثمانية و تسعة و عشرة يصنعون طعامهم فيأكلون، ثمّ علّفوا خيولهم، ثمّ أتوا أميرهم زيادا فقال لهم:
يا هؤلاء إنّا قد لقينا العدوّ و إن القوم لفي عدّتكم، و لقد حرزتكم و إيّاهم فما أظنّ أحد الفريقين يزيد على الآخر خمسة نفر، و و اللّه ما أرى أمركم و أمرهم إلاّ أنّه يصير إلى القتال، فإن كان كذلك فلا تكونوا أعجز الفريقين، و ليأخذ كلّ رجل منكم بعنان فرسه حتى ادنوا منهم و ادعوا إليّ صاحبهم فاكلّمه، فإن تابعني على ما اريد، و إلاّ فإذا دعوتكم فاستووا على متون خيولكم ثمّ أقبلوا إليّ معا.
ثمّ استقدم زياد أمامهم و دعا صاحبهم الخرّيت بن راشد فقال له: اعتزل فلننظر في أمرنا. فأقبل في خمسة نفر، و خرج مع زياد خمسة، فقال له زياد: ما الذي نقمت على أمير المؤمنين و علينا إذ فارقتنا؟
فقال الخرّيت: لم أرض بصاحبكم إماما و لا بسيرتكم سيرة، فرأيت أن أعتزل و أكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس، فإذا اجتمع الناس على رجل هو لجميع الأمة رضا كنت مع الناس!
فقال له زياد: ويحك!و هل يجتمع الناس على رجل منهم يداني عليّا صاحبك الذي فارقته، علما باللّه و بكتابه و سنّة رسوله، مع قرابته منه صلّى اللّه عليه و آله و سابقته في الإسلام؟!غ