موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠١ - و استعدّ الإمام لغزو الشام
فمن شواهد خلقه خلق السماوات و موطّدات بلا عمد، و قاعات بلا سند، دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات، غير متلكّئات و لا مبطئات. و لو لا إقرارهنّ له بالربوبيّة و إذعانهنّ له بالطّواعية، لما جعلهنّ موضعا لعرشه و لا مسكنا لملائكته، و لا مصعدا للكلم الطيّب و العمل الصالح من خلقه. جعل نجومها أعلاما يستدلّ بها الحيران في مختلف فجاج الأقطار، لم يمنع ضوء نورها ادلهمام سجف الليل المظلم، و لا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر.
فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج و لا ليل ساج، في بقاع الأرضين المتطأطئات، و لا في يفاع السفع المتجاورات [١] و لا ما يتجلجل به الرعد في افق السماء، و ما تلاشت عنه بروق الغمام، و ما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء و انهطال السماء، و يعلم مسقط قطرها و مقرّها، و مسحب الذرّة و مجرّها، و ما يكفي البعوضة من قوتها، و ما تحمل الأنثى في بطنها.
و الحمد للّه الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش، أو سماء أو أرض، أو جانّ أو إنس، لا يدرك بوهم و لا يقدّر بفهم، و لا يشغله سائل و لا ينقصه نائل، و لا ينظر بعين و لا يحدّ بأين، و لا يوصف بالأزواج و لا يخلق بعلاج، و لا يدرك بالحواس و لا يقاس بالناس، الذي كلّم موسى تكليما و أراه من آياته عظيما، بلا جوارح و لا أدوات، و لا نطق و لا لهوات.
بل إن كنت صادقا-أيّها المتكلّف لوصف ربّك-فصف جبرئيل و ميكائيل و جنود الملائكة المقرّبين، في حجرات القدس مرجحنّين (متأرجحين) متولّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين.
فإنّما يدرك بالصفات ذوو الهيئات و الأدوات، و من ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفناء. فلا إله إلاّ هو، أضاء بنوره كلّ ظلام، و أظلم بظلمته كلّ نور.
[١] أي في ارتفاع السود المتجاورات يعني الجبال.