موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٥ - الإمام عليه السّلام إلى الكوفة
فقال علي عليه السّلام: رحم اللّه خبّابا، قد أسلم راغبا، و هاجر طائعا، و عاش مجاهدا، و ابتلي في جسده أحوالا، و لن يضيع اللّه أجر من أحسن عملا، ثمّ وقف عليهم و زار زيارة أهل القبور المروية عنه عليه السّلام و قال في آخرها: طوبى لمن ذكر المعاد و عمل للحساب و قنع بالكفاف و رضي عن اللّه بذلك.
ثمّ أقبل حتّى دخل سكّة الثوريين من همدان، فسمع بكاءهم على قتلاهم بصفين فقال: أما إني أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة.
ثمّ مرّ بالفائشيّين من همدان فسمع مثل ذلك فقال مثل ذلك.
ثمّ مرّ بالشباميين من همدان فسمع صوتا مرتفعا عاليا و رنة شديدة، و خرج إليه منهم حرب بن شرحبيل فقال له الإمام عليه السّلام: أ يغلبكم نساؤكم؟!ألا تنهونهنّ عن هذا الصياح و الرّنين؟!
فقال: يا أمير المؤمنين، لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك، و لكن قد قتل من هذا الحيّ مائة و ثمانون قتيلا!فليس من دار إلاّ و فيها بكاء (النساء) أمّا نحن الرجال فلا نبكي و لكن نفرح لهم بالشهادة فقال عليه السّلام: رحم اللّه قتلاكم و موتاكم. ثمّ مشى، و أقبل الشبامي يمشي معه فوقف و قال له: ارجع، فإنّ مشي مثلك مذلّة للمؤمن و فتنة للوالي. ارجع، فرجع.
ثمّ مضى حتّى مرّ بالناعطيّين من همدان-و كان جلّهم عثمانية-فسمع رجلا منهم يقول لآخر: و اللّه ما صنع علي شيئا ذهب ثمّ انصرف في غير شيء! و فوجئوا بعلي عليه السّلام فأسقط في أيديهم. فقال الإمام: «وجوه قوم ما رأوا الشام العام! فالذين فارقناهم (قبلهم) خير من هؤلاء» و لم يكن فيهم شهداء و لا بكاء نساء، و أنشد:
أخوك الذي إن أحرجتك ملمّة # من الدهر، لم يبرح لشكواك فاهما
و ليس أخوك بالذي إن تمنّعت # عليك أمور ظلّ يلحاك لائما