موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٥ - و ابن عباس و معاوية
فقال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما!أ فسلمتم الأمر إلى ولده؟!فقال معاوية: إن عمر قتله مشرك. فقال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟قال:
المسلمون!قال: فذلك أدحض لحجّتك أن كان المسلمون خذلوه و قتلوه!فبهت معاوية فصرف القول و قال:
يا ابن عباس، فإنا قد كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ و أهل بيته! فكفّ لسانك و أربع على نفسك!فقال ابن عباس: أ فتنهانا عن قراءة القرآن؟قال:
لا، قال: أ فتنهانا عن تأويله (أي تفسيره و تطبيقه) قال: نعم!قال: فنقرأه و لا نسأل عن ما عنى به اللّه؟قال: نعم!قال: فأيهما أوجب علينا: قراءته أو العمل به؟ قال: العمل به!قال: فكيف نعمل به حتّى نعلم ما عنى اللّه بما أنزل علينا؟قال: سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت و أهل بيتك!قال: فإنّما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان؟!أو أسأل عنه آل أبي معيط؟أو اليهود و النصارى؟!قال معاوية: فقد عدلتنا بهم و صيّرتنا منهم!قال: لعمري ما أعدلك بهم، و لكنّك نهيتنا أن نعبد اللّه بالقرآن و بما فيه من أمر و نهي أو حلال أو حرام أو ناسخ أو منسوخ أو عام أو خاص أو محكم أو متشابه!و إن لم تسأل الأمة عن ذلك اختلفوا و تاهوا و هلكوا!قال معاوية: فاقرءوا القرآن و لا ترووا شيئا فيما أنزل اللّه فيكم و ما قاله رسول اللّه فيكم (منع التحديث بالحديث) و ارووا ما سوى ذلك! فتلا ابن عباس قوله سبحانه: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ وَ يَأْبَى اَللََّهُ إِلاََّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ [١] .
فقال معاوية: يا ابن عباس اكفني نفسك و كفّ عني لسانك!فإن كنت فاعلا فليكن ذلك سرّا و لا يسمعه أحد منك علانية!ثمّ بعث إليه بخمسين ألف درهم [٢] !
[١] التوبة: ٣٢. و للتفصيل في منع الحديث انظر: تاريخ تدوين الحديث حتّى عهد معاوية.
[٢] سليم بن قيس ٢: ٧٨٢-٧٨٤، الحديث ٢٦. و تخريجه في ٣: ٩٨٨.