موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦٨ - مواعظه لجنادة
و على أي حال فقد نقل الخزّاز القمّي الرازي في «كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر» بسنده عنه قال: دخلت على الحسن بن علي في مرضه الذي توفّي فيه و بين يديه طست يقذف فيه الدم قطعة قطعة من السمّ الذي سقاه معاوية، فقلت له: يا مولاي ما لك لا تعالج نفسك؟فقال: يا عبد اللّه بما ذا اعالج الموت؟!ثمّ التفت إليّ فقال: و اللّه لقد عهد إلينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماما من ولد عليّ و فاطمة، ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول!ثمّ رفع الطست، و بكى، فقلت له: عظني يا ابن رسول اللّه.
قال: نعم، استعدّ لسفرك، و حصّل زادك قبل حلول أجلك، و اعلم أنّك تطلب الدنيا و الموت يطلبك، و لا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه. و اعلم أنّك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلاّ كنت فيه خازنا لغيرك!
و اعلم أن في حلالها حسابا، و في حرامها عقابا و في الشبهات عتابا. فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة!خذ منها ما يكفيك، فإن كان ذلك حلالا كنت قد زهدت فيها، و إن كان حراما لم يكن فيه وزر إذا أخذت كما أخذت من الميتة، و إن كان العتاب فإن العتاب يسير.
و اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، و إذا أردت عزّا بلا عشيرة و هيبة بلا سلطان فاخرج من ذلّ معصية اللّه إلى عزّ طاعة اللّه عزّ و جل.
و إذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك و إذا خدمته صانك، و إذا أردت منه معونة أعانك، و إن قلت صدّق قولك، و إن صلت شدّ صولتك، و إن مددت يدك بفضل مدّها، و إن بدت منك ثلمة سدّها، و إن رأى منك حسنة عدّها، و إن سألته أعطاك و إن سكتّ عنه ابتداك، و إن نزلت بك إحدى الملمّات ساءه. من لا تأتيك منه البوائق و لا تختلف عليك منه الطرائق، و لا يخذلك عند الحقائق، و إن تنازعتما منقسما آثرك.