موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٥ - زياد و ابن عباس في الشام
فقال ابن أم الحكم: للّه درّ ابن ملجم!فقد أمن الوجل حتّى بلغ الأمل! و أدرك الثار و نفى العار!و فاز بالمنزلة العليا و رقى الدرجة القصوى!هذا و معاوية يرى و يسمع و هو ساكت راض!
فقال ابن عباس: أما و اللّه لقد كرع كأس حتفه بيده و عجّل اللّه إلى النار بروحه، و لو أبدى لأمير المؤمنين صفحته لخالطه ذلك الفحل القحم و السيف الخذم، و لألحقه بالوليد و عتبة و حنظلة (أخي معاوية) و كلّهم كانوا أشد منه شكيمة و أمضى عزيمة، ففرى بالسيف هامهم و رمّلهم بدمائهم، و قرى الذئاب!أشلاءهم و فرّق بينهم و بين أحبّائهم!و لا وصمة إن قتل (عليّ) و لا غرو إن ختل.
فقال المغيرة بن شعبة: أما و اللّه لقد أشرت على عليّ بالنصيحة (بإبقاء معاوية) فآثر رأيه و مضى على غلوائه!فكانت العاقبة عليه لا له، و إنّي لأحسب أن خلفه يقتدون بمنهجه.
فقال ابن عباس: كان أمير المؤمنين عليه السّلام و اللّه أعلم بوجوه الرأي و معاقد الحزم و تصريف الأمور من أن يقبل مشورتك فيما نهى اللّه عنه و عنّف عليه فقال سبحانه: لاََ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوََادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ... [١] و لقد وقفك على ذكر مبين و آية متلوّة قوله تعالى: وَ مََا كُنْتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِّينَ عَضُداً [٢] و هل كان يسوغ له أن يحكّم في دماء المسلمين و فيء المؤمنين من ليس بمأمون عنده و لا موثوق به في نفسه؟!هيهات هيهات!هو أعلم بفرض اللّه و سنة رسوله أن يبطن خلاف ما يظهر إلاّ «للتقيّة» و لات حين «تقية» مع وضوح الحقّ و كثرة الأنصار و ثبوت الجنان؟!فهو يمضي كالسيف المصلت في أمر اللّه مؤثرا لطاعة ربّه و التقوى على آراء أهل الدنيا [٣] .
[١] المجادلة: ٢٢.
[٢] الكهف: ٥١.
[٣] شرح النهج للمعتزلي ٦: ٢٩٨-٣٠٢، و للخبر تتمة بين ابن عباس و يزيد و أبيه معاوية.