موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٣ - زياد و ابن عباس في الشام
زياد و ابن عباس في الشام:
نفتقد ابن عباس بعد عودته من البصرة إلى مكة حتّى نجده في خبر المعتزلي عن المدائني: أنه وفد على معاوية فجمع له معاوية المغيرة بن شعبة و زياد بن سمية فذلك بعد لحوقه بالشام هذا العام (٤٢ هـ) و عمرو بن العاص فذلك قبل هلاكه سنة (٤٣ هـ) و ابنه يزيد، و أخاه عتبة بن أبي سفيان، و سعيد بن العاص و مروان بن الحكم و عبد الرحمن بن أم الحكم و قال لهم: إنه قد طال العهد بعبد اللّه بن عباس و ما كان شجر بيننا و بينه و بين ابن عمّه (علي عليه السّلام) و لقد كان نصبه للتحكيم فدفع عنه. فحرّكوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته و نقف على كنه معرفته، و نعرف شبا حدّه و دهاء رأيه، فربّما وصف المرء بغير ما هو فيه و أعطي من النعت و الاسم ما لا يستحقه.
ثمّ أرسل إلى ابن عباس، فلما استقرّ به المجلس ابتدأه معاوية فقال: يا ابن عباس، ما منع عليّا أن يوجّه بك حكما؟و كان ابن العاص حاضرا فقال ابن عباس: أما و اللّه لو فعل لقرن عمرا بصعبة من الإبل، و لأذهلت عقله و قدحت في سويداء قلبه، فلم يبرم أمرا إلاّ كنت منه بمرأى و مسمع، بأصالة رأي كمتاح الأجل أصدع به أديمه و أفلّ به شبا حدّه، و أزيح به شبه الشاكين.
فالتفت ابن العاص إلى معاوية و قال له: يا أمير المؤمنين!هذا و اللّه نجوم أول الشر!و في حسمه قطع مادته، فبادره بالحملة و انتهز منه الفرصة، و اردع بالتنكيل به غيره و شرّد به من خلفه!
فأجابه ابن عباس: يا ابن النابغة!ضلّ و اللّه عقلك و سفه حلمك و نطق الشيطان على لسانك!هلاّ تولّيت ذلك يوم صفّين حين دعيت إلى النزال و تكافح الأبطال، و كثرت الجراح و تقصّفت الرماح، و برزت إلى أمير المؤمنين عليه السّلام مصاولا فانكفأ نحوك بالسيف حاملا، فلما رأيت الكواشر من الموت أعددت حيلة السلامة