بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤٥ - الوجوه المحتملة في تحديد النسبة بين روايات المسألة
بالشهرة أو بموافقة الكتاب والسنة أو بمخالفة العامة حتى في موارد الافتراق بينهما ـ لكي يستبعد ذلك ـ فإن المتفاهم العرفي من الأمر بالأخذ بذي المزية من الخبرين المختلفين وترك الآخر هو كونه ناظراً إلى مورد تحير الناظر فيهما لا إلى جميع مدلولهما، ولا شك أنه إذا ورد في خبر: (أكرموا العلماء) وفي خبر آخر: (لا تكرموا الفساق) لا يحصل للمكلف إذا اطلع عليهما أي تحير بالنسبة إلى حكم العالم غير الفاسق والفاسق غير العالم، فلو دل دليل على ما يقتضي ترجيح الخبر الأول فلا يكاد يفهم منه ترجيحه إلا في مورد التعارض لا مطلقاً، إذ لا يرى العرف حاجة إليه في غير مورده، وبذلك يعلم أن الأمر بالتوقف مع فقد المرجحات الثلاثة ـ كما ورد في ذيل المعتبرة ـ إنما يختص بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع بمورد التعارض بينهما أيضاً، فينبغي البناء على ذلك [١] .
والحاصل: أنه لا قصور في إطلاق المعتبرة المذكورة عن الشمول للخبرين المتعارضين على سبيل العموم والخصوص من وجه.
[١] وبتقريب آخر: إنه لا شك في أن الإمام ( إنما كان في جواب عمر بن حنظلة بصدد بيان الوظيفة الشرعية بشأن الواقعة النزاعية التي اختلفت الروايات في حكمها، ولذلك يمكن أن يقال: بأن أمره ( بالأخذ بالخبر المشهور وترك الشاذ أو الأخذ بالخبر الموافق للكتاب والمخالف للعامة وترك الخبر المخالف للكتاب والموافق للعامة لا ينعقد له إطلاق ليشمل الخبرين المختلفين بالعموم من وجه في تمام مدلولهما، بل في خصوص ما يتعلق منهما بالواقعة التي اختلفا بشأنها، ويتمثل في مورد الاجتماع خاصة، ولا يتعداه إلى موردي الافتراق.
وبهذا يمكن التفريق بين معتبرة عمر بن حنظلة ورواية الراوندي، فإن ظاهر الأخيرة أن الإمام ( إنما كان بصدد بيان حكم الخبرين المختلفين ابتداءً، فيمكن أن يقال: إن المستفاد منها هو الأخذ بذي المزية وترك ما يقابله مطلقاً، أي حتى في موردي الافتراق للعامين من وجه.
اللهم إلا أن يتم ما أفاده بعض الأعلام (قدس سره) من أن الظهور السياقي لكلام الإمام ( يقتضي بأنه كان بصدد العلاج والإسقاط بمقدار التعارض لا أكثر من ذلك. وإن تم ـ كما لا يبعد ـ فالأوجه جعله مانعاً من انعقاد الإطلاق للأمر بترك الخبر المخالف للكتاب أو الموافق للعامة لموردي الافتراق في العامين من وجه، ولا يتجه المنع من إطلاق كلامه ( للخبرين جميعاً ـ كما بنى عليه (قدس سره) ـ لدخولهما تحت موضوعه، بعد ما كان يصدق عليهما أنهما خبران مختلفان، وإن كان الاختلاف بلحاظ جزء من مدلولهما، فليتدبر.