بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٣٩ - هل يجوز الذبح في خارج منى إذا كان الذبح بها يستتبع تلف الذبيحة والاستفادة من لحومها؟
وإن كان الأحوط اختيار الذبح بمكة المكرمة.
تبقى الإشارة هنا إلى أمر، وهو أنه منذ عدة عقود وقبل إنشاء المذابح الحديثة بوادي معيصم لذبح الهدي والأضاحي وسلخها وتجميدها ـ تمهيداً لإرسالها إلى مناطق أخرى للاستفادة منها ـ كانت السلطات المحلية تقوم بحرق معظم ما يذبح أو ينحر في منى من هدي الحجاج وأضاحيهم في محارق خاصة، متسببةً بذلك في تلف كميات كبيرة من اللحوم في كل عام بدلاً عن توزيعها على مستحقيها من الفقراء والمساكين، وقد دعا ذلك بعضهم إلى التفكير بوضع حل لهذه المشكلة التي كانت تسيء إلى سمعة الإسلام والمسلمين في العالم، ووجد المخرج عنها بالبناء على جواز الذبح في خارج منى، بمعنى أنه مع عدم إمكان الذبح فيها وإيصال اللحوم إلى المستحقين ولو في خارجها، بحيث دار الأمر بين الذبح فيها وحرق الذبائح أو دفنها وبين الذبح في مكان آخر لتصرف على الفقراء، يجوز بل يتعين الوجه الثاني.
وقد استُدل لهذا المدعى بعدة وجوه لا بأس بالإشارة إليها والنظر فيها بالرغم من انتفاء المشكلة المذكورة في هذا الزمان باستحداث المذابح الحديثة المشار إليها. والوجوه التي ذُكِرتْ تتلخص في ما يأتي ..
الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، بدعوى أن المستفاد منه ـ خصوصاً بقرينة (الفاء) في قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ ـ أن الذبح الواجب هو الذي يتعقبه الأكل والإطعام على سبيل وحدة المطلوب، فلا يجب الذبح في منى فيما إذا يستتبع تلف الأضاحي.
وهذا الوجه ضعيف، فإنه لا ريب في أن وجوب الأكل والإطعام ـ على القول به ـ إنما هو وجوب استقلالي، ومن هنا لو ذبح هديه وأتلفه فإنما يضمن قيمته، ولا يضر ذلك بالاجتزاء به ولا يلزمه تعويضه بهدي آخر.
وعلى ذلك فإن عدم التمكن من الأكل والتصدق لا يوجب سقوط التكليف بالذبح، ولا دلالة في الآية الكريمة على أن الأكل والإطعام قد أخذا قيدين لوجوب الذبح أو النحر، بل موضوع وجوبهما هو ما يذبح أو ينحر من