بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١١٢ - هل هناك ما يقتضي لزوم الذبح بمكة المكرمة أو في الحرم مع العجز عن الذبح بمنى؟
الحجة، بل يتعين عليه أن يجعل الثمن عند بعض أهل مكة ليقوم بذلك، مع أن الذبح في الطريق أو عند الأهل قبل مضي ذي الحجة كان أمراً متيسراً آنذاك في كثير من الحالات، أي أن يشتري ويذبح في بعض منازل الطريق قبل أن ينقضي شهر ذي الحجة أو يصنع ذلك في بلده إذا كان قريباً نسبياً من مكة المكرمة فيصل إليه قبل انقضاء شهر ذي الحجة، وبالرغم من هذا لم يأذن الإمام ٧ في ذلك. بل مقتضى معتبرة النضر تعين أن يتم الذبح عنه في مكة حيث قال ٧: ((يدفع ثمن النسك إلى من يذبحه عنه بمكة)) ، فإن الظاهر كون الجار والمجرور في قوله ٧: (بمكة) متعلقاً بقوله: (يذبحه)، فيكون المعنى أنه يذبحه بمكة عنه، لا أنه متعلق بقوله: (يدفع) ليصير المعنى أنه يدفع بمكة ثمن النسك إلى من يذبحه عنه، فإن هذا على خلاف الظاهر [١] .
وأما صحيحة حريز فليس فيها تصريح بتعيين مكان الذبح، ومن هنا قد يدعى إطلاقها من حيث إنه يذبح الهدي بمكة أو بمنى أو في أي مكان آخر، ولكن لا يبعد أن يكون المنساق منها إرادة ذبحه بمكة، فإنه إذا قيل مثلاً: (ادفع إلى بعض أهل كربلاء ثمن شاة يشتريها ويذبحها عني)، فالمتفاهم العرفي منه أن المطلوب هو أن يذبح الشاة في كربلاء لا أن يذهب بها إلى مكان آخر ويذبحها فيه. نعم إذا كان بالقرب من كربلاء مكان معروف لذبح النذورات ـ مثلاً ـ يصح القول أن المنساق من الأمر بدفع ثمن الشاة إلى بعض أهل كربلاء كون المطلوب هو الذبح في ذلك المكان، وإنما أمر بدفع الثمن إلى بعض الكربلائيين من جهة قرب كربلاء من المكان المخصص لذبح النذورات.
وفي المقام إذا وُجد شاهد على تعارف ذبح هدي الحج بمنى حتى بعد
[١] ومن الغريب ما ذكره المحقق التستري (قدس سره) في النجعة (ج:٥ ص:٤٠٧) من أن (الظاهر أن قوله: ((بمكة)) محرّف (من أهل مكة)، لأن هدي الحج ذبحه في منى، وللخبر الأول ـ أي خبر حريزـ). وجه الغرابة: أنه لا توجد رواية ولو ضعيفة تدل على أن هدي الحج يذبح بعد مضي أيام التشريق بمنى، بل هو غير معهود من سيرة المسلمين، فكيف يمكن البناء على كون الرواية محرّفة؟! وأما ما ورد في خبر حريز من أنه يخلف الثمن عند بعض أهل مكة، فهو لا يصلح قرينة على وقوع التحريف في خبر النضر، بل المنساق منه أيضاً إرادة ذبح الهدي بمكة كما بُيّن في أعلاه.