دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٢١ - ٣ ـ الإستصحاب في الموضوعات المُرَكَّبَة
قلناه سابقاً من أنّ أدلّة الإستصحاب تـتعبّدنا بالبناء على بقاء الآثار الشرعيّة ، دون غيرها ، فليس للمولى جلّ وعلا أن يتعبّدنا بالبناء على حصول اُمور تكوينيّة ليست بآثارٍ شرعيّة ، كأنْ يتعبّدَنا بالإستصحاب لنُـثْبِتَ بأنّ زيداً ـ مثلاً ـ الذي كان نائماً تحت الحائط الذي وقع ، أنه (قد وَقَعَ عليه الحائطُ) ، فنرتّبَ على ذلك وجوبَ اعتدادِ زوجته وتقسيمَ تركته ، وكما فيمَن أطلق النارَ على زيد الذي كان واقفاً ، فنستصحبَ عدمَ تحرُّكِ زيدٍ مِن مكانه لنُـثْبِتَ بذلك وصولَ الرصاصةِ إليه ، وبالتالي لِنُرَتّب على ذلك قَتْلَه بتلك الرصاصة ، ولنرتّب على ذلك ح وجوبَ اعتدادِ زوجته وتقسيمِ تركته .
إذن يجب أن نستصحبَ عدمَ موت زيد الذي كان نائماً تحت الحائط الذي وقع ، ولا يصحّ استصحابُ بقائه إلى حين وقوع الحائط لنرتّب على ذلك عنواناً وجوديّاً تكوينيّاً وهو (الموت) ، لأنّ هذا الموت هو أمرٌ تكويني ، أي أثر تكويني لا يُثْبِتُه الإستصحاب ، ولذلك لن يترتّبَ على هذا العنوان التكويني وجوبُ اعتدادِ زوجته وجوازُ تقسيمِ تركته ، بل هذا الترتُّبُ لم يَقُلْ به أحدٌ في العالمين ، ولذلك قالوا بعدم جريان الإستصحاب الذي يترتّب عليه أثرٌ تكويني ، وأسمَوه بالأصل المثبت ، أي الذي يُثْبِتُ لوازمَه التكوينية أو العقليّة أو العاديّة .
بعد هتَين الملاحظتين نـقول :
في المثال السابق ، إذا كنّا نعلم أنّ الماء قد صار كرّاً من الساعة ١٢ ظهراً إلى الساعة ٢ بعد الظهر ، لكنـنا لا ندري ساعةَ صيرورتِه كرّاً بالدقّة ، وكذا وقوعُ الثوب في خزّان الماء ، فإنـنا نعلم أنه وقع في الخزّان من الساعة ١٢ إلى الساعة ٢ ، لكنـنا لا ندري بالدقّة الساعة والدقيقة التي وقع فيها ، لكن لا شكّ عندنا أنّ الماء كان قد صار كرّاً س ٢ قطعاً ، وأيضاً لا شكّ عندنا أنّ الثوب قد كان في خزّان الماء س ٢ قطعاً . وعليه فإذا أردنا استصحابَ بقاءِ قلّة الماء إلى الساعة الثانية إلاّ دقيقة ، واستصحابَ عدمِ وقوع الثوب في خزّان الماء إلى الساعة الثانية إلاّ دقيقة ، فمعنى ذلك وجوبُ البناء على طهارة الماء قطعاً ، بلا أيّ إشكال في البَين . وإذا أردنا النظر إلى الساعة الثانية ـ حيث كان الماء كرّاً قطعاً ، وكان الثوب في الماء قطعاً ـ فإنـنا أيضاً يجب أن نبني على طهارة الماء ، وذلك إمّا لعدم جريان الإستصحابين في هكذا حالةٍ من الأصل ـ وهو الصحيح ـ فنرجع إلى قاعدة الطهارة وإمّا لجريان الإستصحابين وتساقطهما فنرجع أيضاً إلى قاعدة الطهارة ، فالمسألةُ إذن واضحةٌ جدّاً .
وأوضح منها ما لو كنّا نعلم بزمان أحدهما ونجهل بالآخر ، كما لو كنّا نعلم بزمان وقوع الثوب ـ كما لو فرضنا أنـنا نعلم أنه وقع س ٢ ـ ولكنـنا نجهل ساعةَ صيرورةِ الماء كرّاً ، فقد يكون صار كرّاً قبل س ٢ وقد يكون صار كرّاً بعدس ٢ ، فلا إشكال أصلاً في صحّة استصحاب عدم صيرورة الماء كراً إلى ما بعد