دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٢٠ - ٣ ـ الإستصحاب في الموضوعات المُرَكَّبَة
نفسُ الشيء تماماً قالوا فيمن شُكّ في هاشميته أو في هاشميتها فإنهم بنَوا على أصالة عدم الهاشمية ، وهذا ـ كما قلنا ـ بناء عقلائي اجتماعي معروف ، وليس الدليل هو استصحاب العدم الأزلي ، وإنما الدليل هو الإستصحاب العقلائي الإجتماعي كما قلنا ، فإنه مقرّر شرعاً ، ودليل تقريره شرعاً هو أصالةُ عدم الهاشمية عند كلّ المسلمين والعقلاء في العالم ، ولم يخالف في ذلك إنسانٌ قط ، مع سكوت الشارع المقدّس وتقريره ، ولذلك ترى الشارع المقدّسَ والعقلاءَ عندهم أصالةُ العامّيّة أوّلاً ، ومَنِ ادّعى الهاشميةَ فعليه أن يأتي بدليلٍ لِيَلتحِقَ بالعترة الطاهرة (ع) .
* ثم اعلمْ اَنّ الجزء الذي يراد اِجراءُ الإستصحاب فيه تارةً يكون معلومَ الثبوتِ سابقاً ويُشَكُّ في بقائه ـ كما فيما لو كان الماء كرّاً سابقاً ثم شككنا في بقائه على الكُريّة ـ فلنا أن نستصحب كرّيّتَه ثم نطهّر فيه الثوبَ المتـنجّس ، وهذا أمرٌ لا شكّ ولا خلاف فيه ، وأخرى يكون كلا جزئَي الموضوع قد حصلا ، لكنـنا نشكّ في المتقدّم منهما والمتأخّر ، ومثالُه ما لو كنّا نعبّئ خزّانَ الماءِ بالدِّلاء ، لأنّ الماء فيه كان قليلاً ، وبَقِينا نجلبُ الماءَ بالدلو ونعبّئ الخزّانَ حتى صار كرّاً ، ثم علمنا أنّ شخصاً كان قد وضع ثوباً متـنجّساً في الخزّان أثـناء تعبئـتـنا له ، ولم ندرِ هل أنه ألقَى الثوبَ في الخزّان قبل أن يصير الماءُ قدرَ كرّ فالماء الآن متـنجّس ، أم أنه وضَعَه بعد أن صار كرّاً ، فالماءُ الآن طاهر ؟ ومِثْلُه أيضاً ما لو مات الأبُ وكان الإبنُ كافراً ثم أسلم الإبنُ ، لكنـنا لم نعلم هل أنّ الأبَ مات قبل إسلام ابنه أو بَعده ؟
وقبل الجواب عن هذا السؤال يجب أن نُذَكّرَ بملاحظـتين :
الاُولى : مِنَ المعلومِ عندك أنّ الأصل ـ فيما لو جهلنا في زمان حدوث حادثٍ ما ـ هو تأخّر حدوث الحادث إلى آخر زمانٍ يُحتمَلُ فيه عدمُ حدوثِه ، وهو ما يسمّونه بأصالة عدم الحدوث ، وبالنـتيجة تأخّر الحدوث ، وهذا أمْرٌ بديهي ، وذلك لوجود أركان الإستصحاب فيه ـ من اليقين السابق والشكّ اللاحق ـ كما لو كان الثوبُ متـنجّساً سابقاً ، ثم علمنا بحصول الطهارة ، لكنـنا شككنا في زمان حصول الطهارة ، فإنـنا نستصحب بقاءَه على النجاسة إلى زمان العلمِ بحصول الطهارة ، أي إلى آخر أزمنة احتمال بقائه على النجاسة ، وكذا تماماً فيما لو عَلِمْنا بطهارة ثوب سابقاً ، ثم علمنا بارتـفاع طهارته ، لكنـنا شككنا في زمان ارتـفاع طهارته ، فمن البديهي أنـنا نستصحب عدم ارتـفاع طهارته إلى آخر أزمنة احتمال بقاء الطهارة ، وذلك لوجود علم سابق بطهارته ، وشكّ لاحقٍ بنجاسته .
والثانية : إنك تعلم أنـنا إنِ استصحبنا ـ مثلاً ـ عدمَ حدوث الحادث يوم الخميس ، فليس لنا أن نـُثْبِتَ بذلك حدوثَه يوم الجمعة ، لأنّ (حدوثَه يومَ الجمعة) ـ كعنوان وجودي ـ لازمٌ تكويني ، والإستصحاب ـ كما قلنا مراراً ـ لا يُثبت الآثارَ العقليّة ولا العاديّة ولا التكوينيّة ، ولا يُثبتُ عناوينَ وجوديّة ، وذلك لما