دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٢٣ - ٣ ـ الإستصحاب في الموضوعات المُرَكَّبَة
. ولكنه يقول بعدم جريان الإستصحاب في أيّ واحد من الطرفين في حال الجهل بكلا الزمانين ، وذلك للعلم بكذب أحد الإستصحابين ، إذ لا يمكن ـ عقلاً ـ التعبّدُ باستصحابين متـناقضين ، بل هذا أعجبُ مِنَ الأصلِ المثْبِت .
فهذه أقوال ثلاثة :
اَمّا القول الأول : فقد قال عنه أصحابُه ـ كالسيد الخوئي ـ بأنه صحيحٌ أنّ زمان وقوع الثوب المتـنجّس هو س ٢ بلا شكّ ، ولكنْ وقوعُه بالنسبة إلى زمان صيرورة الماء كراً غيرُ معلوم ، والأثرُ الشرعي ـ وهي نجاسة خزان الماء ـ إنما يترتّب على اجتماع قلة الماء مع وقوع الثوب ـ لا على مجرّد قلّة الماء ـ فيجب إذن أن يجريَ استصحابُ عدم وقوع الثوب إلى زمان صيرورة الماء كراً ، فيتعارض الإستصحابان ويتساقطان ، فيـُبنَى على طهارة الماء لقاعدة الطهارة . وبتعبـيرٍ آخر : يكفي في جريان الإستصحاب تحـقُّقُ الشك في البقاء بلحاظ زمان الطرف الآخر ، لأنّ الأثر الشرعي مترتِّبٌ على وجود الجزء الأوّل في زمان وجود الجزء الآخر لا على وجود الأوّل في ساعة كذا بعنوانها ، ولذلك لا يجري استصحابُ الجزء المجهول الزمان ـ كقلّة الماء ـ لوحده وبمجرّده ، لأنّ الأثر لا يترتّب على بقاء قلّة الماء الساعة الثانية مثلاً ، وإنما يترتّب الأثر ـ وهي نجاسة ماء الخزّان ـ على اقتران قلّة الماء مع وقوع الثوب ، ولذلك يجري استصحاب عدم وقوع الثوب حتى صيرورةَ[٨٠٨] الماء كراً ، أي يجري الإستصحاب النسبي .
ونلاحظُ على هذا القول :
أوّلاً : قلنا سابقاً إنه لا يصحّ جريانُ استصحاب عدم وقوع الثوب لأنه معلوم زماناً ولانصراف أذهان الناس عن جريانه بلحاظ زمان صيرورة الماء كراً . وبتعبـيرٍ آخر : لا دليل على جريان الإستصحاب النسبي ، والأصلُ عدمُ وجودِه . ومن البديهي صحّةُ جريان استصحاب عدم صيرورة الماء كرّاً إلى ما بعد الساعة الثانية التي هي زمان وقوع الثوب في الخزّان .
فإنْ قلتَ : إنّ استصحاب الجزء المجهول الزمان ـ وهو في المثال عدمُ صيرورة الماء كرّاً ـ إلى حين وقوع الثوب إنما يراد منه تحصيلُ الإقتران ، فسوف يصير لا محالة أصلاً مثبتاً !
[٨٠٨] (حتّى) هنا ناصبة ، بمعنى (أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها) بالفتح ، أي حتى رأسَها أكلتُه ، أي إلى أنْ أكلتُ رأسَها ، فـ (حَتّى) هنا حرفُ عطف ، وليست جارّة بمعنى (إلى) كما في قوله تعالى[حتى مطلع ِ الفجر] ، ففي هذه الآية الكريمة يكون ما بعد (حتى) خارجاً عمّا قبلها ، أي يكون الفجر خارجاً عن ليلة القدر موضوعاً وحكماً ، أمّا في المتن فما بعد (حتى) داخلٌ فيما قبلها ولو لحظة .