دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٥٣ - الروايات التي يُفهم منها البراءة
أقول : إطلاقُ هذه الرواية يفيد الشمولَ لرفع الكفّارة الإلهية ـ لأنّ الكفارة فرعُ التعمّد ـ ولرفع وجوب القضاء أيضاً ، لكنْ بما أنه لا محيص عن الضمان للناسِ قطعاً ، فإننا نرفع يدَنا عن هذا القدر المتيقّن وهو الضمان للناس ـ لأنه حقُّ المضمون له الثابت عقلاً وعقلائياً ولا مَنّ على المضمون له في رفْعِ الضمان وإنما يوجَدُ ضررٌ عليه ـ ونلتزم برفع وجوب القضاء وبعدم الوقوع في المخالفة الشرعية لأنه رَكِبَ أمراً بجهالة .
٣ ـ ما رواه في التوحيد عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبـيه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن (علي أو ولده الحسن بن علي) ابن فضال عن داود بن فرقد (ثقة ثقة له كتاب) عن أبي الحسن زكريا بن يحيى (الواسطي ثقة له كتاب) عن أبي عبد الله (ع) قال : ما حَجَبَ اللهُ عِلْمَهُ عن العِباد ، فهو موضوعٌ عنهم[٦٥٩]ورواها الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى .. وهو صحيح السند في كلا الكتابين ، وهذه الرواية شاملة للشبهتين الحكمية والموضوعية ، فإنّ الملائكة والأنبـياء والكثيرَ من الأولياء والأموات قيل وحتى الحيوانات يعرفون حقائقَ الأشياء الخارجية ، دون الإنسان الدنيوي العادي ، فهذا إذن ممّا حجب اللهُ عِلْمَهُ عَنّا ، فهو موضوع عنّا . وأمّا الشبهات الحكمية فأوضح شمولاً في الحديث ، فإنّ الأئمّة iكانوا قادرين على إيصال ما يريدون من أحكام بمئات الروايات ، وهم يعلمون أنّ بعض رواياتهم سوف تـتلف أو تـنسَى .. ورغم ذلك ما أوصلوا إلينا بعضَ الأحكام ، كوجوب القنوت وجلسة الإستراحة وو .. ممّا يعني أنّ الله حجب علمه عن العباد في هذه الموارد ، فهو إذن موضوع عنهم .
وبتعبـيرٍ آخر : قد تَستشكِلُ على الإستدلال بهذه الرواية على قاعدة البراءة الشرعية بأن تقول : قولُه ما حَجَبَ اللهُ عِلْمَهُ عن العِباد ، فهو موضوعٌ عنهم يعني إذا علمتَ أنّ اللهَ حَجَبَ عِلمَه عن العباد فهو موضوع عنهم ، وأمّا إن لم تعلم هل أنّ الله هو الذي حَجَبَ عِلمَه عن العباد أم أنه أصدر الحكمَ على قلب رسول الله (ص) ورسولُ الله بلَّغَه للناس ، لكنّ الناسَ ضَيَّعَتْهُ ، فح لا يمكن التمسّك بهذا الحديث ، لأنه يكون ح من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية !
فنقول في الجواب على هذا الإستشكال : إنّ ظاهر ما حَجَبَ اللهُ عِلْمَهُ عن العِباد هو حَجْبُه عن كلّ العباد ، بما فيهم رسولُ الله (ص) ، فهكذا حُكْمٌ محجوبٌ يكون مرفوعاً عنّا رفْعاً واقعياً لأنه لم ينزل إلى العباد . وكذا إنِ احتملنا صدورَ الحكمِ وتبليغَه لبعض الناس وعدم وصوله لنا بسبب التقصير ونحوه
[٦٥٩] ئل ١٨ ب ١٢ من أبواب صفات القاضي ح ٢٨ ص ١١٩ .