دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٥١ - الروايات التي يُفهم منها البراءة
يتّضح الموضوعُ للمجتهد فإنه يُجري قاعدةَ البراءة اعتماداً على "رُفِعَ عن أمّتي ما لا يعلمون" فيقول "أنا لا أعلم بكونه قماراً ، فأنا والمقلِّدون بريئوا الذمّة والحكمُ التـنجيزي مرفوعٌ عنّا" ... على كلٍّ ، ليست هذه المواردُ وأشباهُها من وظائف العامّي الغير خبـير .
وكذلك الأمر تماماً لو شكّ المجتهد أثـناء بحثه في موضوع عامّ كلّي ، كما إذا عَلِمَ المجتهدُ أنّ الغناء حرام ، لكنه شَكّ في حدود ماهيّته ـ وهو ما يعبِّرون عنه بالشبهة المفهومية ـ ، ففي هكذا حالةٍ على المجتهد ـ بعد بذْلِ الجُهدِ وعدمِ التوصّل إلى الحدّ الدقيق للغناء ـ أن يأخذ بالقدر المتيقّن فيحرّمُه ، ويقول في المقدار المشكوك "أنا أشكّ في حرمة هذا النوع من الغناء ، ورُفع عن أمّتي ما لا يعلمون ، فأنا مرفوع عنّي التكليفُ ظاهراً" .
فحرفُ (ما) الوارد في حديث الرفع والذي استخدمه المجتهدُ في الحالات الثلاثة المذكورة ـ وهي الشكّ في أصل الحكم والشكّ بنحو الشبهة المفهومية والشكّ بنحو الشبهة المصداقية ـ المرادُ منه (الحكم التـنجيزي) ، فهو المرفوع عنّا .
فإن قلتَ : ظاهرُ رُفِعَ عن أمّتي الخطأ والنسيان وما اُكرِهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطُّروا إليه والحسد والطِيَرَة والتـفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة أنّ المرفوع هو نفس هذه المذكورات ، وليس أحكامَها التـنجيزية .
قلتُ : رفْعُ نفسِ الخطأ والنسيان ونحو ذلك ـ كموضوعات خارجية ـ غيرُ صحيح عقلاً ، فإنـنا نرى الوقوعَ في الخطأ والنسيان وسائر المذكورات خارجاً ، لذلك يتعيّن أن نقول كما يفهمها العرفُ "رُفِعَتْ أحكامُها التـنجيزية" ، فنحن الذين نقع في الخطأ والنسيان والجهل وو .. مرفوعٌ عنّا أحكامُها التـنجيزية ، وذلك لأنّ الظاهر عرفاً هو أنّ المرفوعات هي (أحكامها التـنجيزية) ، كما قلنا في ما لا يعلمون تماماً ، فمَن أخطأ لا حُكْمَ تـنجيزيَّ عليه ، ومَن نَسِيَ لا حكم تـنجيزي عليه .. وهكذا في الباقي ، ولذلك لا يستحقّون العقابَ ، فرفْعُ الخطأ والنسيان وغيرِهما هي كناية عن رفع الأحكام التـنجيزية ، وهو المنصرَف إليه عرفاً .
وقد تستظهرُ أنّ المرفوع هو نفسُ الخطأ والنسيان وو .. تمسّكاً بظاهر الرواية ، وقد تعرّضنا لهذه النقطة سابقاً ، وذكرنا نظريتَي السيد الشهيد والمحقّق النائيني وبعض المحقّقين فلا نعيد ، فتكون هذه المذكوراتُ بنفسها مرفوعةً عنّا شرعاً أي بنظر الله تعالى ، فكأنـنا لم نقع في الخطأ والنسيان ، والأثرُ هو أنه لا يترتب علينا إثمٌ ، وكذلك الأمر في الإكراه وسائر المذكورات . وبناءً على هذا الإستظهار الثاني لا مشكلة إن لم نجد جامعاً بين المذكورات ، وذلك لتعدّد حرف (ما) في الحديث ، فكأنّ النبيّ (ص)