دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٣٠ - الكلامُ في حجيّة خبر الصبيّ الثـقة في الموضوعات
وأيضاً ترى شهادة المتّهمين غير حجّة ، حتى ولو كانوا ثقات في أنفسهم ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا][٥٣٩]، والشَنَآَن هو البُغْض ، فكأنّ الله جلّ وعلا يقول "ولا يَحْمِلَنّكُمْ بُغْضُكم لبعض الناس أن تعتدوا عليهم ولا تعدلوا فيهم ، إعدلوا فيهم وقولوا الحقّ ، حتى ولو كان قول الحقّ مُرّاً كما في مورد العداوات" ، وهي من أجمل المواعظ الأخلاقية ، إذن قد ينحرف المؤمن عن الحقّ والعدل في بعض الموارد كما في موارد العداوة والبغضاء ، وقد ذكرنا عدةَ روايات في عدم جواز الأخذ بقول الثقة المتّهم ومَن يجرّ النارَ إلى قُرْصِه قبل بضعة صفحات .
وفي بعض الروايات السابقة كمقبولة عمر بن حنظلة الحكمُ ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث .. [٥٤٠]، إذن العدالةُ ذو مراتب ، ويظهر هذا الأمر أيضاً من خلال قول الإمام الحسين (ع) للفرزدق في طريقه إلى كربلاء الناس عَبـيدُ المال ، والدينُ لغْوٌ (لَعْقٌٌ ـ خ) على ألسنـتهم ، يحوطونه ما دَرَّتْ به معايشُهم ، فإذا مُحِّصُوا للإبتلاء (بالبلاء ـ خ) قَلَّ الديّانون [٥٤١] إذَنْ الديّانون يقلّون بحسب مصالحهم ، فالدِينُ إذَنْ أمْرٌ مُشَكّك . ومَن يَعْرِفُ السوقَ والباعَةَ يَعْرِفُ مدى التـفاوت في الوثاقة ، يظهر ذلك بوضوح عند التعارض مع المصلحة الخاصّة ، فح ترى الكثيرَ من الباعة المؤمنين المتديّنين الذين لا يكذبون إذا روَوا روايةً أو كتبوا كتاباً ، تراهم يكذبون في تجارتهم ، فيدّعون أنهم اشتروا البضاعةَ الفلانية بكذا ، وأنها كلّفتهم كذا ، مع أنّ الواقع يكون خلاف ذلك .. كلّ ذلك تقديماً لمصالحهم الخاصّة على حرمة الكذب ..
* ثم اعلم أنّ التضعيفَ والغُلُوّ غيرُ التكذيـب ، فقد يكون شخصٌ ضعيفاً أو مغالياً ولكنه صادق في نفسه ، كما قال الشيخ الطوسي في محمد بن خالد البرقي ، قال "ثقة في نفسه ضعيف في الحديث" أي كان غير فقيه ، يجمع بين الغث والسمين ، يروي المراسيل ، ولا يـبالي عمّن روى ...
وكذلك الغُلُوّ ، فالغُلُوّ مرتَبَةٌ عقائدية غير مقبولة عند المقيّم ، وهو الإفراط في نسبة بعض الصفات العالية للنبي أو للأئمّة (علیهم السلام) الغير مقبولة عند المقيّم ، أو قُلْ هو تجاوز الحدّ في صفات الأنبـياء والأئمة (علیهم السلام) ، هذا هو المعروف من هذا المصطلح .
[٥٣٩] المائدة ـ ٨ .
[٥٤٠] ئل ١٨ ب ٩ من أبواب صفات القاضي ح ١ ص ٧٥ .
[٥٤١] بحار الأنوار ٤٤ /الباب ٢٦ ص ١٩٥ .