دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٣٢ - الكلامُ في حجيّة خبر الصبيّ الثـقة في الموضوعات
غلو مفرط" (إنـتهى) . وقال بعضهم في مذهبه ارتفاع أي غلوّ . وقال بعضهم : الإرتفاع هو مرتبة دانية من الغلوّ .
فهل بَعد هذا يكون قولُهم بنحو مطلق "فلانٌ غالٍ أو مرتفِعُ القول" إشارةً إلى كذبه في النقل ؟! مع أنه على هذا الأساس سيكون كلّ أو جلّ علماء الشيعة اليوم مُغالين !! وقد أنكر عليهما كلّ علمائـنا السابقين عليهما واللاحقين ـ كما قال الشهيد الأوّل في الذكرى ـ وردّ عليهما العلاّمةُ الحلّي في كتبه الكلامية .. على أنّ كلا القولَين بأنّ النبي (ص) قد يسهو في صلاته ـ لورود روايةٍ في ذلك ـ أو لا يسهو ـ لمنافاة ذلك مع رسالته التي تحتّم عدمَ سهوِه أصلاً كي لا يتوهّم إنسانٌ أنه قد يسهو مطلقاً أي حتى في الأحكام ـ لا يوجبان فسقاً ولا كفراً .
أقول : الصفاتُ التي تـنسَبُ إلى الأنبـياء والأئمّة (ع) منها ما هو صحيح وليست نسبتها إليهم غُلُوّاً ، ومنها ما هو غلوّ واضح :
فالمقبول عند العلماء ـ وليس هو غُلُوّاً ـ هو القول بأنهم قادرون على الخلق ، لكنْ بإذن الله ، وقادرون على الإماتة والإحياء والرزق ، لكنْ كلّ ذلك بإذن الله . وأنا لا أدري كيف يحصَلُ الخلقُ بإذن الله سبحانه وتعالى ؟ وكذا الكلام في إبراهيم الخليل وعيسى بن مريم وغيرهما i، فهل أنه يحصلُ بتسخير ملائكةٍ لهم تكون بخدمتهم ، إنْ أمروهم بالخلق خلقوا هم ، وليس المعصومون هم الخالقون ؟ أم أنّ الله تعالى أعطاهم i قدرةً ذاتية من دون حاجة إلى الملائكة في الخلق ؟ وكيف يَتِمّ ذلك وهم في نطاق المادّة ؟! أم أنّ قواهم الروحانية هي التي تخلق وتـتصرّف ؟
يظهر من قوله تعالى [وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْـتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِوَأُبْرِئُ الأَكْمَهَوَالأبْرَصَوَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِوَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَوَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بـيوتِكُمْ ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنـتُم مُّؤْمِنِينَ (٤٩)] [٥٤٢] أنه (ع) هو بنفسه كان يخلق ويُـبرئ ، طبعاً بإذن الله ، ويظهر أنه كان يدخل في باطن هذا العالَم فيصير بقوّة الملائكة (المدبّرات أمراً) ثم يخلق هو بنفسه كما تدبّر الملائكةُ أمورَ العالم .
المهم هو أن نُبْقِيَهُم في نطاق البشرية ، وإن كانوا أكملَ البشر في الكمالات الإنسانية والدينية ، وأنْ نقول بأن هذه الأمور تصدر منهم بإذن الله تعالى ، وأن الله قد مَكَّنَهُم وأمَرَهم بها ، يفعلون ما يشاء الله . ولا يـبعد اتّصافهم (ع) بـبعض الصفات الغير خارجة عن نطاق البشرية ـ أي الممكنة عند البشر ـ
[٥٤٢] سورة آل عمران .