دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٢٩ - الكلامُ في حجيّة خبر الصبيّ الثـقة في الموضوعات
أقول : بعدما رأيتَ من التفصيل في الروايات الصحيحة تعرف لزومَ القول بأنه تُقبل شهادتُه في ثلاثة أمور : في خصوص القتل ، وفيما بـينهم ما لم يتفرّقوا أو يرجعوا إلى أهلهم ، وفي الأمور الحقيرة دون الخطيرة كـتـنجُّسِ ثوب أو كون الكُرَة الفلانية لفلان ، وأمّا في غير ذلك فنرجع إلى عموم آية [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ] وإلى روايات عدم قبول شهادة الأطفال إلاّ إذا شهدوا بعد بلوغهم بأنّ شهادتهم قبل بلوغهم كانت صحيحة وصادقة وهي تفيدنا عدمَ حجيّة شهادات الأطفال الغير بالغين [٥٣٨] .
وأمّا رَفْعُ القلمِ عن الصبي حتى يحتلم فهو امتـنان محض لا أنه يكشف عن عدم حجيّة قوله ، وإنما رَفْعُ القلمِ عنه يكشف عن نقصان عقلِه قليلاً بلا شكّ ، وهذا أمر وجداني واضح ، لذلك لا يُحَدُّ حدّ البالغ ، لكنْ هذه الروايةُ لا تـنفعنا ولا تضرّنا في مسألة حجيّة قول الصغير المميّز .
* * * * *
نَظْرَةٌ في مَعْنَى الوَثاقة
قد يَتوهّم البعضُ أنّ الوثاقة تعني العصمة عن الكذب دائماً وفي كلّ الحالات ! طبعاً كلّ كلامنا في هذا البحث لا يُقصَدُ به المعصومون i .
هذا الإعتقاد فيه مبالغة واضحة فإنّ الوثاقةَ أمْرٌ نفساني ذو مراتب تختلف شدّةً وضعفاً ـ كسائر القوى والملكات النفسانية ، كالإيمان والعدالة والشهوة والغضب ـ فقد تكون وثاقة شخص واصلةً إلى أقرب حدّ من العصمة ، كما في وثاقة النوّاب الأربعة رضي الله عنهم ، وقد يكون الكثير من رواتـنا الكبار وعلمائـنا الأعلام قريـبين إلى هذا الحدّ العظيم ، وترى علماء الرجال يصفون بعضهم بأنه "ثقة ثقة" وبعضَهم بأنه "ثقة" ثم يصيرون يتـنزّلون في عبائرهم فيقولون "صالح" أو "كان رجلاً صالحاً" أو "صالح الرواية" حتى يصير بعضُهم محلّ شكّ باعتقادهم ، فلا يوثّقونهم ، وإنما يمدحونهم بقولهم مثلاً : "كان خيّراً" أو "خيّر فاضل" أو "من أجلاّء الشيعة" أو "من أجلّة أصحاب الحديث" أو "عظيم القدر عظيم المنزلة" أو "شيخ العصابة في زمنه ووجههم" أو "له أصل" مع أنهم كانوا بصدد التوثيق ، ومع ذلك لم يوثّقوا هؤلاء ، وإنما اكتـفوا بهكذا عبارات !! المهم هو أنّ الرجاليـين ملتـفتون إلى التشكيك في الوثاقة والعدالة ، فوصوفوهم بعبارات تصفهم بحسب اعتقادهم .
[٥٣٨] راجع ئل ١٨ بابي ٢١ و ٢٢ من أبواب الشهادات ص ٢٥١ ـ ٢٥٣ .