دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٩٠ - التطبـيق الخامس الشبهة الغير محصورة(
وقد يقال بالتـفسير الثالث وهو أنّ السبب في الترخيص في كلّ أطراف سوق المسلمين هو عدم القدرة على المخالفة القطعيّة .
ويرد عليه أنه لا شكّ في أنه ليس السبب في الترخيص هو عدم القدرة على المخالفة القطعيّة ، وذلك لأنـنا نقول بتـنجيز العلم الإجمالي بنجاسة أحد إناءين إذا أخذوا أحدهما إلى مكانٍ لا نذهب إليه عادةً ـ كالصين مثلاً ـ وذلك لبقاء العلم الإجمالي منجّزاً عقلاً في هكذا حالة . وكما لو اضطُررنا إلى شرب أحد الإناءين لكون دوائـنا مثلاً فيه ، فهنا أيضاً لا يجوز أن نشرب الإناء الثاني عقلاً ، وكما لو شربنا أحد الإناءين ثم علمنا بنجاسة أحدهما .
أمّا التـفسير الرابع : وهو أنّ الميزان في كون الشبهة غير محصورة هو الصدق العرفي ، فما صدق عليه عرفاً أنه غيرُ محصور يترتب عليه حكمه ، ويختلف ذلك باختلاف الموارد .
فيرد عليه أنّ هذا أمر غير واضح عرفاً ، فهل هو ما كان بعض أطرافه خارجاً عن محلّ الإبتلاء ولو كانت أطرافه قليلة ، أم أنّ نطره إلى خصوص العدد الكبـير ، أم إلى الإثـنين معاً ؟ إلى ما هنالك من احتمالات ؟!! على أن هذه الكلمة لم ترد في موضوع دليل شرعي ، ليرجع في فهم معناها إلى العرف ، وإنما هي من الاصطلاحات المستحدثة ، وثالثاً : إن العرف لا ضابطة عندهم لتميـيز المحصورة عن غيرها ، والسر في ذلك هو أن عدم الحصر ليس من المعاني المتأصّلة في اللغة ، واِنما هو اَمْرٌ إضافي يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان .
أمّا التـفسير الخامس والذي هو أنّ الشبهة غير المحصورة هي ما يَعْسُرُ موافقتُها القطعية ،
فيرد عليه أولاً أنّ العسر بنفسه مانع عن تـنجز التكليف ، سواء كان هناك علم إجمالي أو لا ، وسواءً كانت أطراف الشبهة قليلة أو كثيرة ، فلا يكون ذلك ضابطاً لكون الشبهة غير محصورة ، وثانياً : إنّ العسر انما يوجب ارتـفاع تـنجيز التكليف بمقدار يرتـفع به العسر فقط ، لا مطلقاً .
وأمّا التـفسير السادس والذي يفسّر غيرَ المحصورة بأنها هي ما يَعْسُرُ عَدُّهُ .
فيرد عليه أنّ العقلاء يجتـنبون الإناء الذي يحتوي على ألف ألف حبة من القمح مثلاً إذا كانت حبّة واحدة منها متـنجّسة .
* إذن ما هو الوجه والسبب في إعطاء الشارع المقدّس إذْناً في الأكل والشرب من سوق المسلمين ـ الذي هو المثال البارز للشبهة الغير محصورة ـ رغم عِلْمِنا بوجود بعض الناس لا يزكّون الأنعامَ ، وقد يكون في السوق بعضُ الجُبْن مثلاً ـ كما في بعض الروايات ـ قد تـنجّست بإنفحة الميتة ؟! فهنا كلمات :
الاُولى : يجب أن يكون سوق المسلمين كبـيراً إلى حدّ يَضْعُفُ فيه احتمالُ إصابة النجس الواقعي .